قد يثير هذا الطرح حفيظة بعض الزملاء منأصحاب الإختصاص، وقد يُقرأ في أروقة التقنية على أنه تمرد صريح على محراب التكنلوجيا، لا سيما وأنه يصدر عن قلمٍ غاص طويلاً في أعماق نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي وتمرّس في التحليل الاستراتيجي لبنية خوارزمياته.
بَيْد أن الوقوف اليوم موقف الناقد ليس ارتداداً عن العلم أو جحوداً لمنجزاته، بل هو في صميمه أسمى درجات الانتماء إليه، فالخبير الحقيقي ليس ذاك الذي ينساق أعمى خلف بريق المصفوفات البرمجية، بل هو من يمتلك الجرأة المعرفية لتعرية “خرافة الذكاء الاصطناعي” متى ما تغوّل هذا الأخير محاولاً ابتلاع إرثنا الإنساني.
إن دفاعي هنا عن ” الورق” ليس انحيازاً عاطفياً للماضي، بل هو صرخة حارسٍ يُدرك بحكم تخصصه أن تغذية الآلة يجب ألّا تكون على حساب طحن الذاكرة، وأننا نبتكر الأنظمة الذكية لنرتقي بالإنسان، لا لنقدم تاريخه وتراثه كبش فداءٍ لمقصلةٍ رقمية نهمة لا تفقه من المعرفة سوى الآحاد والأصفار.
من مفارقة تراجيدية لا تخلو من سخرية القدر ، تبدو الآلة الحديثة – بكل تجردها السحابي وكيانها اللامادي- في أمسّ الحاجة الى التهام الجسد المادي للفكر البشري كي يشتد عودها .
ففي الوقت الذي نتغنّى فيه بقدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الإبداع الإنساني، تعمل مقاصل هيدروليكية في غرف خلفية باردة على تمزيق ملايين الكتب الورقية، فاصلة الصفحات عن أغلفتها، في طقس يشبه تشريح الجثث، تمهيداً لمسحها ضوئياً وصبّها
كـ “بيانات تدريب” في جوف النماذج اللغوية العملاقة .
إن سعي شركات الذكاء الاصطناعي، مثل Anthropic وغيرها، لشراء قواعد بيانات عملاقة من الكتب المطبوعة، يعتبر كبحث دقيق عن “النقاء العضوي” وليس مجرد نَهمٍ عشوائي للمعلومات . فالكتب المطبوعة ما قبل عام 2022 تمثل بالنسبة لهذه الشركات “أطعمة عضوية” خالية من شوائب النصوص التي ولّدتها الآلة ذاتها مؤخراً ، فالخوارزميات اليوم تخشى أن تتغذى على فضلاتها الرقمية ، فتبحث بلهفة عن الفكر البشري الخام، الموثّق بالحبر والورق لتتجنب “التسمم البياني” الذي قد يصيبها إذا ما التهمت نصوصاً كتبها ذكاء اصطناعي آخر.
ولكن، ياللمفارقة! لكي تكتسب الآلة روح الكتاب ، يجب عليها إعدام جسده. فبعد اكتمال عملية المسح الضوئي، تُلقى النسخ الورقية الممزقة الى مصيرها المحتوم : التلف .
تتسلح شركات التقنية بترسانة قانونية تبرر هذه المذبحة الثقافية ، متكئة على مبدأ “حق البيع الأول” الذي يمنح شاري الكتاب حق تمزيقه إن شاء، طالما أنه لا يبيعه كنسخة جديدة. أما المحاكم، فتنظر الى عملية سحق الكتاب وتحويله الى نبضات الكترونية تتدرب عليها الآلة على أنه “استخدام تحويلي” يندرج تحت لافتة “الاستخدام العادل”.
ومن العجيب أن يصبح هذا القانون غطاءً للإخفاء القسري للكتب النادرة وتلك التي توقفت مطابعها عن الدوران. ففي أسواق الكتب المستعملة في هولندا مثلاً وغيرها، يفرك البائعون أيديهم فرحاً وهو يبيعون مئات الآلاف من النسخ لجهات مجهولة الهوية التي تفضّل البقاء في الظل خشية المانشيتات الصحفية الفضائحية التي قد تفضح إعدامها الممنهج لملايين الكتب.
وهنا تبرز المعضلة الوجودية الكبرى: كيف نجح السومريون الأوائل في تخليد الحرف الأول؟ لقد أدركوا بفطرتهم هشاشة الذاكرة، فنقشواعلومهم على ألواح الطين ثم أحرقوها بالنار لتتحدى طوفان الزمن، مانحين البشرية فجر الكتابة الخالد، وفي المقابل، نقف نحن اليوم مكتوفي الأيدي نتساءل: من أين نأتي بفراعنة جدد ليتقنوا لنا فن “تحنيط الورق” وحمايته من مقصلة الخوارزميات؟
لقد ترك لنا الأقدمون زقورات شامخة وأهرامات عتيدة تتحدى الفناء، بينما نعكف نحن على بناء أهرامات من بيانات وهمية نشيدها فوق أنقاض المعرفة وأشلاء الكتب.
الحل لا يكمن في البكاء على أطلال الورق، بل في ترويض التكنلوجيا ذاتها لحمايته من خلال برمجة “محميات معرفية هجينة”، ومستودعات ذكية تدار بأنظمة أتمتة متقدمة تتحكم بدرجات الحرارة والرطوبة لـ “تحنيط” الورق فيزيائياً وتتزامن مع تقنيات ” المسح الاشعاعي اللاإتلافي” مثل تقنية التصوير المقطعي الدقيق وأشعة “تيراهيرتز” التي اثبتت نجاحها في قراءة مخطوطات متفحمة مغلقة دون المساس بها.
هكذا، نُعلّم الآلة أن تقرأ الكتاب كما يقرؤه الإنسان، بإختراق المعاني لا بتمزيق الأغلفة، فنمنح الخوارزميات نسختها الرقمية المعرفة ، ونحتفظ نحن بنسختنا العضوية في خزائن آمنة، محولين الذكاء الاصطناعي من وحش كاسر يفترس الإرث الى نظام أرشفة ذكي يحرس مكتبة المستقبل .
إذا تقاعسنا عن هذا التدخل التكنلوجي الواعي ، فنحن أمام أضخم عملية استنساخ وأكثرها رعباً في تاريخ البشرية، كيان اصطناعي نَهِم يبتلع ذاكرتنا الورقية كاملة، لا ليتعلم منها، إنما ليتقمصنا ويصبح هو .. نحن.
لكن الكابوس الحق لم يتجلَّ بعد، سيفسر عن وجهه في تلك اللحظة التي ينقطع فيها التيار الكهربائي عن هذا العالم الرقمي الهش .. يومها، سنتلمس طريقنا في العتمة الباردة، ونمد أيدينا المرتجفة نحو الرفوف بحثاً عن كتابٍ يؤنس وحشتنا، فلا تقبض أصابعنا إلا على أغلفةٍ جوفاء، تصطف في العتمة كشواهد قبورٍ صامتة .. ترثي أجساداً ورقية ابتلعتها الآلة ..
+ There are no comments
Add yours