نمتار / محمد رشيد

في عالم تضيع فيه الحقوق وتتوارى فيه جهود المبدعين خلف دهاليز المحسوبية، لم يعد استلاب الأفكار مجرد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى فعل ممنهج يمارسه من لا يملكون القدرة على الابتكار فيسطون على نتاج عقول الآخرين بدم بارد وما قصة “برلمان الطفل العراقي” إلا تجسيد حي ومؤلم لهذا “السطو الفكري” الذي يمارسه البعض تحت غطاء السلطة.
لا يخفى على القاصي والداني أن “برلمان الطفل العراقي” لم يكن وليد صدفة، بل كان (حلمي الشخصي) لكنه مشروعاً وطنياً بامتياز، وضعتُ لَبِناته الأولى في محافظة ميسان بتاريخ 25 آب 2004. كان الهدف أسمى من مجرد هيكل إداري؛ كان محاولة لخلق صوت واعٍ للطفولة العراقية في مرحلة ما بعد التغيير.
توالت خطوات البناء بثبات؛ حيث عقدنا المؤتمر الانتخابي الأول للبرلمان في عام 2008. ومع نضوج التجربة، جاءت المحطة الفارقة عام 2011، حين شاركنا في المؤتمر التأسيسي للبرلمان العربي للطفل في رحاب جامعة الدول العربية. هناك، وبفضل جهودنا المتراكمة، تم إقرار توسيع نطاق البرلمان ليشمل 7 محافظات، وصولاً إلى المؤتمرين الثالث والرابع اللذين شهدا مشاركة جميع محافظات العراق، ليتحول البرلمان إلى منصة وطنية شاملة وتمت مشاركة اطفال العراق في عدد من المؤتمرات العربية منها تونس ولبنان والدوحة والقاهرة .
بينما كنا ننتظر الدعم والاحتضان لهذا المشروع الذي بات يمثل واجهة حضارية للعراق في المحافل العربية، فوجئنا بقيام مؤسسة حكومية بالاستحواذ على جهودنا، ونسبتها إليها في تجاوز صارخ للأمانة المهنية والحقوق الفكرية.
هذا الإجحاف لم يمر دون اعتراض فقد سجلت الأمانة العامة للبرلمان العربي للطفل في الشارقة تحفظها واستنكارها لهذا التجاوز غير القانوني وغير الأخلاقي. ولكن وفي مشهد يعكس قتامة الواقع اصطدمت كل محاولات استرداد الحق بجدارٍ سميك فهناك من يرتدون عباءات بعض الأحزاب السياسية، أولئك الذين يمتلكون “اليد الطولى” التي لا تكتفي بفرض هيمنتها، بل تعمل على إسكات صوت الحق ووأد كل محاولة لاستعادة الإنصاف.
لقد سرقوا كل شيء ولم يبقَ لهم سوى السطو على الأفكار والجهود الوطنية التي بذرها المخلصون.
إن قضية “برلمان الطفل العراقي” ليست مجرد شكوى فردية، بل هي صرخة ضد ظاهرة استشرت في مفاصل المؤسسات، حيث تتحول الأفكار الإبداعية إلى غنائم بيد من يفتقرون للشرعية المعنوية والتاريخية.
إن التاريخ لا يرحم، والوثائق شاهدة على من وضع الحجر الأساس ومن جاء فقط ليتصدر المشهد. ستبقى الحقيقة ساطعة: نحن من أسسنا، وهم من سرقوا، ويبقى السؤال معلقاً في ضمير الرأي العام: إلى متى تظل الحقوق الأدبية مستباحة في ظل غياب الرادع؟




+ There are no comments
Add yours