نمتار / عماد آل جلال
ليس أعظم من حضارة تشيد الأبراج وتراكم الثروات، إلا حضارة تعرف كيف تصون الإنسان. فالتاريخ لم يخلد الأمم بما امتلكته من قوة أو نفوذ بقدر ما خلدها بما رسخته من قيم العدالة والحرية والكرامة.
ومن هنا يبرز (منهج الأنسنة) كرؤية فكرية وأخلاقية تعيد الإنسان إلى مكانه الطبيعي، غاية لكل تنمية، ومحورا لكل معرفة، ومقياسا لكل تقدم، انطلاقا من إيمان راسخ بأن قيمة الأوطان لا تقاس بما تملكه من موارد، بل بما تمنحه للإنسان من كرامة وحرية وفرص للحياة الكريمة.
في جوهره، لا ينظر (منهج الأنسنة) إلى الإنسان باعتباره رقما في معادلة اقتصادية، أو أداة في مشروع سياسي، أو مجرد مستهلك في سوق عالمي، وإنما يراه كائنا عاقلا، حرا، يمتلك القدرة على التفكير والإبداع وصناعة المعنى. ومن هذا المنطلق، يجعل من احترام الكرامة الإنسانية، وصيانة الحقوق، وتنمية القدرات، الركائز الأساسية لأي مشروع حضاري يسعى إلى الاستمرار والازدهار.
قد يقول قائل أن مفهوم (الأنسنة) ارتبط في الوعي العالمي بعصر النهضة الأوروبية، حين أعاد المفكرون الاعتبار للعقل والعلوم والآداب، لكننا نستطيع القول أن جذوره الفكرية لا تقتصر على التجربة الغربية. ففي التراث العربي والإسلامي نجد حضورا واضحا للنزعة الإنسانية في كتابات الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي، وابن رشد، وغيرهم من الأعلام الذين احتفوا بالعقل مثل المفكر والباحث الجزائري محمد أركون الذي يعد من أبرز الباحثين في الدراسات الإسلامية والفكر العربي المعاصر في القرن العشرين.
(الأنسنة) لا تعني، كما يظن بعضهم، إقصاء الدين أو إضعاف البعد الروحي، بل تعني أن الغاية النهائية لكل منظومة أخلاقية أو تشريعية هي خدمة الإنسان وصون كرامته وتحقيق مصالحه المشروعة.
واليوم، تزداد الحاجة إلى منهج (الأنسنة) في عالم يشهد تحولات عميقة فرضتها الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتغيرات المناخية، والنزاعات المسلحة، واتساع فجوات الفقر واللجوء. فهذه التحديات لا يمكن معالجتها بمنطق الربح والخسارة وحده، بل تحتاج إلى رؤية تضع الإنسان في صدارة الأولويات، بحيث تكون التكنولوجيا في خدمته، والاقتصاد وسيلة لرفاهيته، والسياسة أداة لحماية حقوقه، لا العكس.
وفي المجال الإعلامي، تبدو (الأنسنة) أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالصحافة التي تؤمن برسالتها لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تكشف أثرها في حياة البشر، وتنقل أصوات المهمشين، وتدافع عن الحقيقة، وتسهم في بناء وعي عام يحترم الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
أما في التعليم، فإنها تدعو إلى تجاوز أساليب التلقين الجامدة، وبناء شخصية المتعلم القادر على التفكير النقدي، والإبداع، والحوار، وتحمل المسؤولية. فالمؤسسات التعليمية لا ينبغي أن تكون مصانع لإنتاج الشهادات، بل فضاءات لصناعة الإنسان الواعي، القادر على التفاعل مع مجتمعه والمشاركة في نهضته.
إن الأمم التي تجعل الإنسان محور سياساتها واستراتيجياتها هي الأقدر على صناعة مستقبل مستدام. فالاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالمشروعات العملاقة، ولا بالأرقام الاقتصادية المجردة، بل يبدأ ببناء الإنسان.
في عالمنا الذي يموج بالصراعات والتنافس المحموم، تبدو (الأنسنة) أكثر من مجرد نظرية فلسفية، إنها ضرورة حضارية وأخلاقية. فكل مشروع لا ينتهي إلى خدمة الإنسان هو مشروع يفتقد مبرر وجوده.




+ There are no comments
Add yours