(كلما صفت… غيّمت)…على العالم أن يدرك أن اليمن دولةٌ وحضارةٌ وتاريخ… لا ملفٌ يُدار

نمتار / أ. خالد قاسم الطشي

“كلما صفت… غيّمت”.. كلمات خالدة صدح بها الفنان اليمني الكبير الراحل أبو بكر سالم بلفقيه، تزامنًا مع الأزمة السياسية التي سبقت حرب صيف 1994، وكأنها كانت تستشرف مستقبل اليمن. يومها حسمت الحرب المعركة، وظن كثيرون أنها طوت صفحة الخلاف.

لكن ما يعيشه اليمن منذ عام 2015 أثبت أن الحروب قد تحسم معركة، لكنها لا تحسم وطنًا. فبعد أكثر من أحد عشر عامًا، لم تُنهِ الحرب الصراع، ولم تستعدِ الدولة عافيتها، بل تعمقت الأزمة، واتسع الانقسام، وتضاعفت معاناة اليمنيين، بينما بقيت أطراف الصراع أصغر من حجم الوطن، وأعجز من أن ترتقي إلى مستوى مسؤولية الدولة.

فرض الحوثيون سيطرتهم على أجزاء واسعة من البلاد بقوة السلاح، لكن السيطرة على الأرض لا تعني بناء الدولة. فالدولة مسؤولية، وحقوق، ومؤسسات، لا جبايات وتنصلًا من الواجبات. وفي المقابل، عجزت الحكومة الشرعية عن استعادة الدولة أو تقديم مشروع وطني جامع، فبقي المواطن اليمني الخاسر الأكبر من هذا الصراع.

واليوم، وبينما كان اليمنيون يترقبون انفراجًا سياسيًا يفتح أبواب الحوار والسلام، يعود منطق القوة ليحكم المشهد؛ قصفٌ يقابله قصف، وتصعيدٌ يستدعي تصعيدًا أكبر، فيما يبقى الشعب اليمني وحده من يدفع ثمن هذا العبث.

لقد أثبتت التجربة أن التحدي لا يُواجَه بتحدٍ، وأن القوة لا تصنع السلام، بل تعمق الأزمة، وتوسع الدمار، وتؤجل الحلول السياسية. وكل جولة حرب جديدة لا تصنع نصرًا، بل تضيف مزيدًا من الضحايا، وتستنزف ما تبقى من الدولة، وتزيد من خسائر جميع الأطراف.

لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن الحروب تُدمّر الأوطان أكثر مما تحسم الصراعات، وأن السلام العادل وحده هو القادر على إعادة بناء الدولة، واستعادة الثقة، وإنقاذ مستقبل اليمن.

ومن هنا، نجدد دعوتنا إلى الأشقاء في المملكة العربية السعودية لإعادة النظر في مقاربتها لليمن. فاليمن ليس ملفًا يُدار، ولا ساحةً لتوازنات المصالح، بل دولة عربية كاملة السيادة، وحضارة ضاربة في التاريخ، وشعبٌ يستحق أن يُحترم حقه في تقرير مصيره وصناعة مستقبله.

إن أمن المملكة واستقرارها يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بأمن اليمن واستقراره، لكن هذا الهدف لن يتحقق بإدارة الصراع أو بإطالة أمده، بل بدعم مشروع سلام يمني حقيقي، يعيد للدولة سيادتها، ويُمكّن اليمنيين من الجلوس إلى طاولة الحوار بوصفهم أصحاب القضية، لا موضوعًا للتجاذبات الإقليمية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن اليمن لا يمكن أن يُدار من الخارج، كما أثبتت أن الرهان على الحلول العسكرية لم يورث سوى الدماء والدمار. أما السلام، فهو وحده الذي يحفظ مصالح الجميع، ويصنع مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا للمنطقة.

إن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم فرصة تاريخية للانتقال من إدارة الأزمة إلى رعاية حلها، ومن منطق الصراع إلى منطق الشراكة، بما يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، قائمة على الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، وصون سيادة الدول.

لقد تعب اليمن… وتعب شعبه… ولم يعد يحتمل حربًا جديدة. وما يحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الجبهات، بل قرارًا سياسيًا شجاعًا يعترف بأن الحرب استنفدت كل مبرراتها، وأن الرهان على القوة لم يعد يصنع نصرًا لأحد، بل هزيمةً للجميع.

فالسلام ليس تنازلًا، بل شجاعة سياسية، والوطن لا يبنيه المنتصر في الحرب، وإنما يبنيه الشركاء في السلام. وسيظل اليمن أكبر من جميع أطراف الصراع، وأكبر من حسابات الإقليم، ولن يستعيد عافيته إلا عندما يُعامل بوصفه دولةً ذات سيادة، لا ساحةً للحروب، ولا ملفًا تتنازعه المصالح. فاليمن، كما كان عبر التاريخ، دولةٌ وحضارةٌ وإنسان وسيبقى كذلك مهما طال أمد الصراع ولن ترى الدنيا على ارضي وصيا.

تموز / 2026

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours