حين تنتصر الجيوش ولا تنتصر الاستراتيجيات…قراءة في العلاقة بين الانتصار العسكري والنتائج السياسية

Loading

نمتار / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس

شهد التاريخ العسكري حروباً حققت فيها الجيوش انتصارات ميدانية واضحة، لكنها عجزت عن تحويل تلك الانتصارات إلى مكاسب سياسية واستراتيجية. وهذه المفارقة تثير سؤالاً جوهرياً: لماذا تنتصر الجيوش أحياناً بينما تفشل الاستراتيجيات التي تقود أعمالها؟

لقد أكد المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز، أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى. وهذا يعني أن العمل العسكري ليس غاية بذاته، وإنما وسيلة لتحقيق هدف سياسي محدد. ومن هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من النجاح: النجاح التعبوي الذي يتحقق في المعركة، والنجاح العملياتي الذي يتحقق في الحملة العسكرية، والنجاح الاستراتيجي الذي يتمثل في بلوغ الغاية السياسية للحرب.

فقد تتمكن دولة من تدمير قدرات خصمها العسكرية، والسيطرة على أراضٍ واسعة، وإلحاق خسائر جسيمة بقواته، دون أن تتمكن من إخضاع إرادته السياسية أو فرض شروطها عليه. وعندئذ يصبح الانتصار العسكري حقيقة ميدانية، لكنه لا يرتقي بالضرورة إلى مستوى النصر الاستراتيجي.

وتكمن إحدى أهم مشكلات التخطيط الاستراتيجي في عدم التمييز بين حجم القوة المستخدمة وطبيعة الهدف المراد تحقيقه. فقد تنجح عملية عسكرية محدودة، تنفذها قوة صغيرة نسبياً، في إحداث تحول سياسي كبير، بينما تعجز حملة عسكرية واسعة عن تحقيق نتائج مماثلة، رغم تفوقها في القوة والتدمير.

والسبب لا يكمن في حجم القوة وحده، وإنما في مدى ملاءمة الهدف المختار للغاية السياسية، وتأثيره في مركز الثقل المعادي؛ أي ذلك العنصر الذي يستمد منه الخصم قوته وقدرته على الاستمرار والمقاومة. وقد يتمثل مركز الثقل في القيادة السياسية، أو القوات المسلحة، أو التحالفات الخارجية، أو التماسك الداخلي، أو الإرادة الوطنية.

غير أن إصابة مركز الثقل أو إضعاف القدرات العسكرية لا يكفيان دائماً لتحقيق النصر، إذ يبرز عامل آخر بالغ الأهمية، هو الإرادة السياسية للخصم ومدى استعداده لتحمل الخسائر ومواصلة الصراع. فقد تدفع الضربات العسكرية بعض الخصوم إلى التراجع، بينما تدفع آخرين إلى مزيد من الصمود والتحدي، وربما تزيد من تماسكهم الداخلي.

وتبرز هذه المفارقة في التجربتين الأمريكيتين تجاه فنزويلا وإيران؛ ففي فنزويلا أظهرت العملية العسكرية كيف يمكن لاستخدام قوة محدودة وموجهة نحو هدف حاسم أن يحقق نتيجة سياسية مباشرة، دون أن يعني ذلك بالضرورة ضمان استقرار النتائج على المدى البعيد. أما في إيران، فإن التفوق العسكري والقدرة على إلحاق خسائر جسيمة بالخصم لا يعنيان بالضرورة إخضاع إرادته السياسية أو تحقيق جميع الأهداف الاستراتيجية للحرب. وهكذا يتبين أن معيار النجاح ليس حجم القوة المستخدمة، بل طبيعة الهدف ومدى تأثير العمل العسكري في إرادة الخصم وسلوكه السياسي.

ومن هنا فإن نجاح الاستراتيجية يتطلب فهماً دقيقاً لطبيعة الخصم، ومصادر قوته، وحساباته السياسية، وحدود قدرته على التحمل، إلى جانب تحقيق التوازن بين الأهداف السياسية والوسائل العسكرية المتاحة.

والخلاصة أن النصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك الرابحة، ولا بحجم القوات المستخدمة أو مقدار الدمار الذي تلحقه بالخصم، وإنما بمدى تحقيق الغاية السياسية التي شُنّت الحرب من أجلها.

فالجيوش تستطيع أن تكسب المعارك، ولكن الاستراتيجية وحدها هي التي تحول الانتصارات العسكرية إلى نتائج سياسية دائمة.

ملاحظة توثيقية: تدعم المصادر الحديثة هذا التمييز؛ فقد حققت العملية الأمريكية في فنزويلا هدف اعتقال مادورو، بينما بقيت نتائج التحول السياسي الأوسع موضع تقييم. أما في إيران، فلا تزال الأهداف السياسية النهائية للحرب محل نزاع رغم الخسائر العسكرية الكبيرة.