![]()
لم أُخلق بهذا الشكل.. لقد أُعيد تصنيعي. ستظنون أنني أهذي، امرأة خط الشيب شعرها، وسقطت في إناء الخرف. كلا… لم يحدث هذا. أنا في كامل قواي العقلية، ربما أصبحت الآن بلا فائدة، لكنني أعي تمامًا كيف وصلت إلى هذا المكان.
لقد سقط رأسي مني يومًا، أمسكته بيدي، وعدوت نحو أبي، فثبّته بمسامير طويلة، لم يعد بعدها قادرًا على الحركة. وقيل لي يومها إنني تسببت بسقوطه لأنني ملأته بالأفكار، وقيل أيضًا بلهجة آمرة :
لا تفكري كثيرًا، وإلا سيصبح ثقيلًا ويسقط مجددًا، وحينها لن يكون بالإمكان إعادة تثبيته.
لم يمضِ وقت طويل حتى سقطت ذراعاي، فعدوت بهما نحو أخي، فثبّتهما لي بقوة حتى لم أعد أستطيع فتحهما على اتساعهما. وقيل لي يومها :
لا تقلقي، ما زال بإمكانك أن تغسلي الصحون والملابس، وأن تُعدّي الطعام وتكوي الثياب، ولولا أنكِ مددتِهما إلى أبعد من ذلك، لما سقطتا.
بعد وقتٍ لم يكن طويلًا سقطت ساقاي، فثبتهما زوجي، وقال بحزم:
ستتمكنين من استخدامهما داخل المنزل، لكنهما ليستا صالحين للتسكع خارجه. لو فهمتِ ذلك منذ البداية، لوفرتِ على نفسك كل هذا العناء والألم.
وبعد زمن قضيته أحاول فهم ما قيل لي، غضبت من تقييدي، ومما قيل لي، فأخذت أجادل في حقي دون أن يعيرني أحد أذنًا صاغية،كانت الكلمات تتساقط حولهم وتختفي من تلقاء نفسها، كما لو أن أحدًا دربها على التلاشي، هذه المرة سقط لساني مني، فجاء ابني وثبّته في مكانه، وقال لي مازحًا:
. بالكاد يكفيك الآن لتتحدثي مع عائلتك.
إلا أن ذلك تسبب لي بألم أكبر فسقطت مني هذه المرة رغبتي بالحديث،
فأُعيد تثبيتها في فمي بترتيبٍ جديد، جعل الجمل قصيرة، قابلة للهضم، حيادية للغاية وبلا طعم ولا لون، ودون حواف قد تجرح الصمت.
سقطت بعدها نظرتي وأنا أتأمل السماء،فأُعيد زرعها في عيني على أنها لا ترى إلا ما هو قريب بشكل لا يتعدى مداي، لئلا يتحول ما أراه إلى حلم، قيل لي يومها إن الأحلام تربك الرؤية.
شيئًا فشيئًا، وكما حدث مع حواسي وأطرافي، تكورت وتضاءلت، ثم صرتُ فائضةً عن حاجة الجميع، وفي النهاية، حين اكتمل هذا التآكل البطيء، رُميتُ في غرفةٍ بلا نوافذ.
أراقبهم بصمت وهم يبتسمون لي ابتسامة باردة، يلومونني لأنني لا أتحدث كثيرًا، ولا أخرج من غرفتي، ولا أقرأ، ولا أستمع إلى الأخبار…ولا رأي لديّ ولا يتذكرون كيف أصبحت كذلك.
هولندا/خرونيغن









