![]()
ماذا نريد من جرس 2026؟
(1)
حين قرأت مقال الكاتب مهند محمود شوقي، “من جرس 2019 إلى جرس 2026.. سبع سنوات من بناء الإنسان في كوردستان”، بدا لي أن المقال لا يتوقف عند مناسبة قرع جرس المدرسة في بداية عام دراسي جديد، بقدر ما يفتح نافذة أوسع على سؤال التعليم في كوردستان: ماذا تحقق خلال السنوات الماضية، وماذا ينبغي أن تكون عليه الخطوة التالية؟
وقد أصاب شوقي في الانتقال من الحديث عن المدرسة كبناية إلى النظر إليها باعتبارها مساحة لبناء الإنسان. فالأرقام المتعلقة بعدد المدارس والصفوف والكتب والمناهج مهمة، لكنها لا تختصر وحدها معنى الاستثمار في التعليم. فالمدرسة في نهاية المطاف ليست جدراناً ومقاعد وكتباً، وإنما هي الإنسان الذي يتخرج فيها بعد سنوات.
ومن هنا، فإن ما أضافته السنوات السبع الماضية إلى المشهد التعليمي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية مرحلة، بل باعتباره قاعدة لمرحلة جديدة.
فإذا كان السؤال في مرحلة سابقة هو: كيف نبني مدارس أكثر وأفضل؟، أصبح السؤال لاحقاً: كيف نقدم تعليماً أفضل، فإن سؤال السنوات المقبلة ينبغي أن يكون أكثر اتساعاً:
كيف نُعد إنساناً قادراً على صناعة المستقبل؟
هذا السؤال مهم لأن المستقبل الذي ينتظر الطفل الذي يدخل المدرسة اليوم مختلف جذرياً عن المستقبل الذي كان ينتظر أجيال الأمس.
لقد دخل العالم مرحلة جديدة، مرحلة أصبحت فيها التكنولوجيا جزءاً من الحياة اليومية، وأصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج النصوص والصور وتحليل المعلومات والترجمة والبرمجة، بينما تتوسع المهن الرقمية ويتغير شكل سوق العمل بسرعة يصعب معها التنبؤ بكل الوظائف التي سيعمل فيها أطفال اليوم.
ولهذا لم يعد كافياً أن يتعلم الطالب ماذا يعرف، بل عليه أن يتعلم كيف يفكر، وكيف يبحث، وكيف يتحقق، وكيف يستخدم المعرفة.
وهنا تحديداً يبدأ الحديث عن التحول الرقمي في التعليم.
التحول الرقمي لا ينبغي أن يعني فقط تحويل بعض المعاملات الورقية إلى إلكترونية أو إدخال أجهزة حديثة إلى الصفوف. ذلك جزء من الصورة، لكنه ليس الصورة كلها.
التحول الحقيقي يبدأ عندما تصبح التكنولوجيا جزءاً من العملية التعليمية نفسها، في طريقة الوصول إلى المعرفة، وفي أساليب التدريس، وفي التواصل بين الطالب والمعلم، وفي تقييم التعلم، وفي إنتاج المحتوى التعليمي، وفي ربط الطالب بمصادر المعرفة العالمية.
أما القضية الأهم فهي الإنسان الذي يستخدم التكنولوجيا.
وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي واحداً من أكبر التحديات والفرص أمام التعليم في كوردستان.
ليس المطلوب أن يتحول كل طالب إلى خبير في الذكاء الاصطناعي، كما أن الهدف ليس أن تحل الآلة محل المعلم أو الكتاب أو عقل الطالب.
المطلوب أن يتعلم الطالب الثقافة الأساسية للذكاء الاصطناعي، أن يعرف ما الذي يستطيع فعله، وما الذي لا يستطيع فعله، وأن يتعامل مع مخرجاته باعتبارها مادة تحتاج إلى تحقق وتفكير ونقد، لا باعتبارها حقيقة نهائية.
فالخطر ليس في أن يستخدم الطالب الذكاء الاصطناعي، وإنما في أن يستخدمه من دون أن يفكر.
والفرصة ليست في أن يحصل الطالب على إجابة جاهزة خلال ثوانٍ، وإنما في أن يمتلك أداة جديدة تساعده على البحث والتحليل والإبداع وحل المشكلات.
ومن هنا يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تطوير التعليم نفسه، إذا أحسنا إدخاله في المناهج والتدريب التربوي، ووضعنا قواعد واضحة للاستخدام الأخلاقي والمسؤول.
يتبع





