نمتار || لوزان .. || فائق العبودي || ..حقيبة مغترب..العراقيون حبّيبّة

Loading

كلما تحدثتُ مع لبنى ياسين زوجتي عن العراقيين، أجدها تبتسم وتقول كلمتها التي أحبها وأتوقف عندها طويلاً: ” العراقيين حبّيبّة”.

لا أدري من أين جاءت بهذه الصورة عن العراقيين؛ وهي سورية، هل هي صورة رسمها الحب في قلبها، أم تشكلت من خلال ما تراه في قلبي من حكايات العشق والوفاء، أم أنها مجموعة صور رسمتها في مخيلتها مما سمعته مني ومن أصدقائي من قصص وحكايات، تختلط فيها مرارة الحياة بعذوبة الحب، ويصبح العشق حكاية أكبر من أصحابها.

ولعل أكثر ما رسّخ هذه الصورة في قلبها حكاية صديقنا العزيز، الفنان رضا الخياط، وحبه لأميرة؛ تلك الحكاية التي تختصر وجع العاشق العراقي حين تقف التقاليد والسلطة والمال في وجه قلبين أرادا أن يلتقيا.

رفض والدها تزويجها له، وحرمها من الميراث، ومنعها حتى من لقائه، فصار رضا، في أقسى تجليات العشق وأشدها إيلاماً، يذهب مع عمال النظافة، متخفياً بمظهر أحدهم، ليلمس يد حبيبته لحظة تسلّمه لكيس القمامة من يدها.

 لم يجمعهما بيت، ولم ينتهِ الحب بزواج، لكن الحكاية بقيت، وغنّى رضا وجعه في أغنيته الشهيرة: ” صوّبت قلبي أميرة” .

ولأن العراقي، حين يحب، لا يترك قلبه عند عتبة الفراق، بل يمضي به إلى أقصى ما يستطيع الاحتمال، واليوم أستوقفتني حكاية أخرى، لا تقل وجعاً، كتبها رجل لم يكن يملك من الدنيا، في تلك اللحظة، سوى بندقية ورسالة وامرأة بعيدة يسميها ” الغالية البعيدة “.

إنها رسالة جندي عراقي اسمه سعد سعيد، كتبها من جبهة القتال، أثناء الحرب العراقية الإيرانية، في معارك نهر جاسم، يوم 26 شباط 1987، حين كانت الحرب تحاصره بالرصاص وقذائف الهاون، فيما كان قلبه مشغولاً بأشياء صغيرة، لكنها كانت تعني له الحياة كلها: لقاء حبيبته، وقطعة آيس كريم، ومشية على شارع النهر في بغداد، والتفرج على محلات الذهب التي لا يستطيعان شراء شيء منها.

أي مفارقة موجعة هذه! أن يقف رجل في مواجهة الموت، فيما كل ما يتمناه أن يعود إلى حياة بسيطة مع امرأة يحبها. أن تحاصره القذائف من كل جانب، فلا يخشى على نفسه بقدر ما يخشى ألّا يرى وجهها مرة أخرى.

ربما لهذا تقول زوجتي إن العراقيين حبّيبّة. وربما لم تكن تعرف أن وراء هذه العبارة البسيطة تاريخاً طويلاً من القلوب التي أحبّت أكثر مما استطاعت الحياة أن تمنحها، ومن العشاق الذين حملوا أحلامهم الصغيرة في وجه الحروب والحرمان، وتركوا لنا رسائلهم وأغانيهم، كي نعرف أن الحب، في العراق، لم يكن دائماً ترفاً في الحياة، بل كان أحياناً السبب الوحيد الذي يجعل الإنسان يتشبث بها.

أترككم مع رسالة الجندي العراقي سعد سعيد، كما كتبها من جبهة نهر جاسم عام 1987؛ رسالة لا نعرف إن كانت قد وصلت إلى حبيبته، لكنّها وصلت إلينا، بعد كل هذه السنوات، لتذكّرنا بأن خلف كل جندي حكاية، وخلف كل بندقية قلباً يتمنى العودة، وخلف كل حرب إنساناً لا يريد من الدنيا سوى أن يعيش مع من يحب.

رسالة سعيد:

الغالية البعيدة..

تفصلني الحرب عنك، ويفصلني الٱمر ( القائد)الذي يصر على وضعي في مقدمة الجبهة، في خط التماس المباشر..

المعركة الواقعة الآن في نهر جاسم، أقل وقعاً على قلبي المسكين من فراقك ، لا أكترث للرصاص، وقذائف الهاون، وشتى انواع القنابل لا أكترث لكل ما حولي، كل ما يشغلني الآن هو اللقاء الأخير وتفاصيلك المذهلة، في الإجازة المقبلة سنشتري دوندرمة(  ٱيس كريم) ونمشي في شاع النهر، حيث ترغبين دائماً، أن نسير دائماً، ونتفرج على محلات الذهب الذي لا نستطيع شراءه ابداً.

يحيط بي الآن خوف من عدم العودة اليك، وحدي في المقدمة، بين وابل الرصاص، يلوح لي وجهك كلما أضاءت قذيفة عتمة ليلي الطويل يلوح لي وجهك الذي لا يفارق مخيلتي،” انقذني يا الله، انقذني في هذه اللحظة، امنحني فرصة ثانية للحياة كي ابصر وجهها “، لا أعرف اذا ستصلك هذه الرسالة ام لا ابعثي ولو كلمة واحدة بيد نائب ضابط كريم ، فهو صديقي الذي يعرفني ويعرف مأساني وعشقي لك.

التوقيع

 الحزين والمعذب دوما

سعد سعيد

الخميس ١٩٨٧/٢/٢٦

معارك نهر جاسم

بعض الحكايات لا تحتاج إلى نهاية سعيدة كي تبقى، ومن كل قلبي اتمنى ان يكون سعيد سلم من تلك الحرب اللعينة، واجتمع بمحبوبته، ولعله يومًا يقرأ هذه الحكاية عنه.

دمتم بألف خير.

سويسرا/ لوزان