![]()
نمتار / د. ناصر زيدان
بين السياسة والاعلام مساكنة افتراضية مُلزمة، يتعايشان احياناً بهدوء ويتشاجرا بخشونة أحياناً أخرى. تسطوا الأولى بمخالب سلطتها على الثانية، وتُقيِّد حراكها إذا شاءت، لكن للسلطة الرابعة انيابها المؤلمة التي تخترق دروع الحصون أيضاً، ولو بعد حين. تحاول السياسة أن تصنع الاعلام، لكن مُنتجها يبدو هجيناً، “صوفتهُ” حمراء، وعادةً ما يبني الرأي العام موقفه على عكس ما يقول اعلام السلطة والذي غالباً ما كان محلاً للسخرية. وتجربة الأنظمة الكلّية الغابرة دليلٌ دامغ. وكذلك الاعلام؛ فهو يصنع مقتلته بيده، عندما يبالغ في التوجيه والأدلجة، او عندما ينحرف الى امتهان صناعة تركيب الأخبار الواهية. لكن مع أي من الفرضيات المطروحة، يبقى للإعلام دوراً أساسياً في صناعة القرار السياسي، والقادة السياسيون على اختلافهم يعتبرون كسب أي معركة هي في كسب تعاطف الرأي العام.
وتاريخ تأثير الاعلام على أنظمة الحكم، او على رأي الحاكمين طويلٌ جداً، لأن الاعلام هو الوسيلة التي تصنع رؤية الجمهور ومشاعره، والرأي العام كان على الدوام مُهماً للحاكم، حتى إبّان مرحلة ما قبل الديمقراطية. و”تأليه” الحاكم في الأزمنة الغابرة؛ كان صناعة إعلامية بالدرجة الأولى. ونابليون الثالث (1808 – 1870) قال: كرر الخطأ ثمَ كرره ثم كررهُ، قد يصبح هو الحقيقة، وهو ما يتلاقى تقريباً مع ما قاله لاحقاً بول غوبلز وزير الدعاية النازي (1897 – 1945): أكذب ثم أكذب لا بد أن يعلق شيء منه في أذهان الناس. بينما الكاتب الإيرلندي الناقد برنارد شو (1856 – 1950) قال: “احذروا المعرفة الزائفة، فهي أخطر من الجهل” والانسان بطبيعته عدوٌ لما يجهل. المقاربات المتناقضة تؤكد على حقيقةٍ واحدة، وهي أن الانسان يتأثر بما يسمع لا محالة، وليس لدى كل الناس مختبرات لفحصِ جناةِ الخبر. ومن هنا كان للرأي الآخر شأناً في بلورة المعرفة.
تطور الاعلام ووسائله المتعددة، فرض تغييراً كبيراً على واقع السلطة الرابعة، وساهم في التضليل غير المقصود من خلال الانفلاش الأفقي المُتفلِّت. ولكن هذا التطور ساعد في كبح جماح احتكار وسائل النشر والدعاية، بحيث أصبح كل مواطن اعلامي، ولدى كل مواطن وسيلة إعلامية خاصة، وبدت مواقع التواصل غاباتُ بثٍّ فسيحة، لها بداية وليس لها نهاية، لكن ذلك لم يحلّ مشكلة احتكار الترويج، لأن البارعين في استخدام الاعلام لخدمة مصالحهم؛ ابتكروا وسائل جديدة لإستثمار الفوضى، بحيث استبدلوا بعض الصفحات ببعض المُنشدين، ولعبت الشركات المالكة لوسائل التواصل دوراً في حجبِ مواقع بعض المُؤثرين، او زيادة منسوب تأثير مواقع تفضيلية أخرى، ورغم كل ذلك؛ بقي لوسائل الاعلام النزيهة والشفافة مصداقية وازنة، لم تقلِّل من شأنها كل المتغيرات.
يؤثر الإعلام على القرار السياسي بواسطة جملة من العناصر، لعلَّ أبرزها كونه يطرح المشكلة ويعممها، ومن خلال هذا الاعلام يمكن تتبُع سير الأحداث والإضاءة عليها، وغالباً ما يرشد الاعلام الى وسائل حلّ المشكلات. بالمقابل فالإعلام يُلقي الضوء على منجزات السياسيين، كما أنه يفضح تجاوزاتهم عند حصولها. وعلى أساس هذه المعطيات يتنبه الرأي العام للمحاسن كما للمخاشن. وفي هذه العملية المُعقدة مجموعة كبيرة من الأمور المرئية منها والمخفية، وأهمها وجود تخادم في بعض الأحيان بين الفريقين، أو وجود خصام نفعي يدفع بعض الحاكمين للإقتصاص من وسائل اعلامية، والعكس صحيح.
من الواضح أن أهم شروط حضور التأثير الإعلامي؛ وجود الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي، لكن هذه المفاهيم تبدو طوباوية او مثالية، فهناك اعلام تُقيده القوانيين او الأوليغارشية السلطوية أحياناً، كما هناك اعلام يرفع شعارات العصرنة ويبدو بدائياً، وأيضاً هناك تضليل متعمَّد كما هناك تضليل يحصل من غير قصد. وخطر تصديق كل شيء كخطر عدم تصديق أي شيء، والوعي هو الفيصل الذي يجب أن يفصل بين المقاربات المُرتهنة والمقاربات المتحررة، واستخلاص الحقيقة يحتاج لعناء المتابعة، وجدار الفبركة ليس على ارتفاع شاهق، ولا يمكن له أن يحجب الضوء إذا ما طَلعَ بهيقُ الشمس.
يبدو أننا أمام معادلة: قُل لي ماذا تقرأ؛ أقول لك مَن أنت، وأضيف؛ قُل لي ماذا تسمع؛ أقول لك مَن أنت. لكن العصرنة الإعلامية التي لم تتوضح معالمها كاملةً حتى الآن؛ تفرض عليك سؤالاً يعقُب سماع أو قراءة أي خبر او معلومة، وهو: من نشر الخبر؟ وما هي البراهين المُرفقة؟ وهل نشرته وسيلةٌ أخرى؟ وهل الصورة حديثة أم مفبركة؟ او أنها قديمة ويستعاد استخدامها لغاية في نفس يعقوب؟
مهما يكُن من أمر؛ فإن دور الاعلام في صناعة القرار السياسي؛ دامغ لا يمكن تجاهله. واختلاف الظروف أو المعطيات أو الأحداث؛ لا تُقلِّل من شأن هذا التأثير. وعلى ذات النسق المذكور؛ يمكن توصيف حالة أصحاب القرار السياسي أو صانعيه، فمهما كانت خلفياتهم وتوجهاتهم، لا يمكن لهم تجاهل دور الاعلام، وتقييده أكثر ضرراً عليهم من انفلاتهِ. لكن وزارات الاعلام – او الدعاية – في الحكومات لم يعُد لها الدور المؤثر في الواقع الراهن، لأنها تجري وراء سراب التسويق للأفكار، بينما الرأي العام يهرُبُ منها لأنه يعتبر أنها تُروج لرؤى سلطوية ولو كانت على حق! وبعض من الوسط الإعلامي بدأ يتصرَّف كقطاع تجاري مُنتِج، يجري وراء تحقيق الفائدة، والصعوبات الناتجة عن تبدُّل هوى المُعلنيِّن ولجوئهم لوسائل ترويج مختلفة؛ ألقى عبئً تمويلياً على غالبية وسائل الاعلام، وفرض عليها المجاملة، أو رهن جزءً من انتاجيتها بجهات قادرة على المساعدة، وفي وسائل اعلامية تلفزيونية، أصبحت مقولة تأجير الفضاء لبرامج مقابل بدل؛ رائجة، ولم يعُد يستحي من إعلانها أصحاب المحطات.
يَصعُب تصور سياسة من دون اعلام، كما يصعب تصور وجود اعلام من دون سياسة. واحياناً يكون نجاح حزب أو جهة حاكمة مرتبط بمدى معرفتهم بكيفية استثمار الاعلام على وجههِ الصحيح، بصرف النظر عن منسوب النجاح او الفشل في آدائهم. وأحياناً أخرى يؤدي فشل هذه الجهات بالتعاطي مع الاعلام الى فشل يصيب أدوارهم، حتى ولو كانوا يحملون الكثير من الفضائل. ولعلَّ ما أورده الإمام علي بن أبي طالب معبراً جداً في هذا السياق، حيث قال “للحقيقةِ ألفُ وجه ومن البلاغةِ أن تخاطبَ كلُ قومٍ حسب ما يفهمون” وبالفعل فإن المزاج العام للجمهور غالباً ما يفرض معطيات لها خصائصها المكانية والزمانية والثقافية، وما يصحُّ في مخاطبة زيد قد لا يصحُّ في مُخاطبة عَمر.
يواجه الاعلام تحديات كبيرة، والذكاء الاصطناعي؛ حمل عنه بعضاً من الوزنة، ولكنه ألقى عليه أعباء أكبر، وبرأيي أنه ساهم في تراجع المصداقية. أما المحاولات السلطوية الوطنية التي تهدف لتنظيم الاعلام ووضع ضوابط بحجة التماشي مع التطور الهائل؛ فقد فشلت بمعظمها في ضبضبة الإنفلات الإخلاقي والتراجع المهني. وقد تكون الحاجة مُلحة لإعتماد معاهدة أممية مُلزمة لوسائل الاعلام وللحكومات وللشركات المنتجة لوسائل التواصل؛ تكفل حرية التعبير عن الرأي، وتمنع ترويج الأخبار الكاذبة وتلغي الاستثمار غير المشروع في اطلاق الإشاعات وبث الدسائس.









