نمتار/ مهند محمود شوقي
تُظهر قراءة تاريخ العراق الحديث أن التحولات الكبرى التي شهدها البلد لم تكن نتاج لحظة سياسية عابرة، بل حصيلة تراكم طويل من الصراعات والتسويات، كان لشعب كوردستان فيها دور محوري ومؤثر. فمنذ تأسيس النظام الفيدرالي بعد عام 2003، وصدور دستور العراق لعام 2005، الذي اعترف بإقليم كوردستان ككيان اتحادي ضمن الدولة العراقية، برزت تحديات عميقة تتعلق بتطبيق المواد الدستورية، وعلى رأسها المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، إضافة إلى الخلافات المستمرة بشأن إدارة الثروات النفطية وتقاسم الإيرادات.
ورغم أن الدستور أسّس نظرياً لشراكة سياسية واضحة بين المركز والإقليم، إلا أن السنوات اللاحقة شهدت توترات متكررة، خصوصاً في الملفات المالية. فقد واجه إقليم كوردستان في أكثر من مرحلة إشكالات تتعلق بحصته من الموازنة العامة، وتأخر أو انقطاع صرف رواتب الموظفين، ما انعكس مباشرة على الواقع المعيشي، وأصبح أحد أبرز نقاط الخلاف بين أربيل وبغداد. هذه الملفات لم تكن مجرد مسائل إدارية، بل تحولت إلى أزمات سياسية عكست عمق الإشكال في تفسير الصلاحيات الدستورية وحدود العلاقة بين الطرفين.
لفهم هذا الواقع، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للنضال الكوردي في العراق. فقد شكلت ثورة أيلول عام 1961، ثم ثورة كولان، محطات أساسية في مسار الصراع السياسي مع الدولة المركزية، في إطار مطالب تتعلق بالحقوق القومية والإدارية. وقد بلغ هذا الصراع ذروته خلال حقبة حكم صدام حسين، حيث شهدت كوردستان حملات عسكرية واسعة، أبرزها حملة الأنفال التي أدت إلى تدمير قرى بأكملها وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا، إضافة إلى مجزرة حلبجة التي مثّلت واحدة من أكثر الجرائم قسوة في التاريخ الحديث نتيجة استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين.
كما لعبت التطورات الإقليمية دوراً في تعقيد المشهد، خاصة بعد اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران، والتي انعكست بشكل مباشر على الحركة الكوردية في تلك المرحلة، وأسهمت في إعادة تشكيل موازين القوى داخل البلاد.
بعد عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة شارك فيها الكورد بشكل أساسي في إعادة بناء النظام السياسي، وكان لهم دور فاعل في صياغة الدستور وتأسيس نموذج الحكم الفيدرالي. كما برزت قيادات سياسية كوردية في مقدمتها مسعود بارزاني، الذي لعب دوراً محورياً في مرحلة ما قبل 2003، من خلال دعم مسارات توحيد قوى المعارضة العراقية، والمساهمة في تقريب وجهات النظر بين القوى الكوردية والعربية. وقد شكلت مؤتمرات المعارضة في لندن وواشنطن وأربيل محطات أساسية في بناء تفاهمات سياسية مهدت لمرحلة ما بعد سقوط النظام، وأسست لنواة مشروع العراق الجديد.
ورغم هذه الشراكة التأسيسية، بقيت العلاقة بين المركز والإقليم عرضة للتوتر، خصوصاً في ما يتعلق بتطبيق الدستور وإدارة الموارد المالية. إذ لم تُنفذ بعض المواد الدستورية بشكل كامل، في حين استمرت الخلافات حول الموازنة العامة ورواتب الموظفين، ما خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وأثر على ثقة الشارع في جدوى الترتيبات الفيدرالية.
هذا المسار التاريخي والسياسي يظهر أن كوردستان لم تكن مجرد طرف في المعادلة العراقية، بل كانت أحد العناصر المؤسسة لها، سواء عبر التضحيات التاريخية أو عبر الدور السياسي في مرحلة التحول. وعليه، فإن أي معالجة مستقبلية للأزمة العراقية لا يمكن أن تتجاهل مبدأ الشراكة الدستورية المتوازنة، أو تتجاوز حقيقة أن الاستقرار في العراق مرهون بإنصاف جميع مكوناته، واحترام الالتزامات التي بُني عليها النظام السياسي بعد عام 2003.


+ There are no comments
Add yours