كيف نقرأ.. عالمنا اليوم؟

(١-٢)

بحبر/ رئيس التحرير

أبقيتُ -عن قصدٍ- على عنوان الكاتب الأمريكي “ديفيد – بروكس” عبر العنوان الذي ودّع فيه قراء صحيفة “نيويورك – تايمز”، بعد مضي 22 عاماً في كتاباته الأسبوعية المتواصلة، بمقالٍ مطوّل، نُشر في الثلاثين من يناير – كانون أول هذا العام، فضلاً عن عنوان فرعي هو؛ “حان وقت الوداع”، بعد أن وجدتُ في العنوانين ما يُغني ويثري من مقاصد صوب ما أنوي عليه، وحريٌ بنا التذكير بأن تلك الصحيفة، المصنّفة بالمرتبة 17 على مستوى العالم، والثانية على مستوى التناول في عموم الولايات، كانت قد تأسست في العام /1851، ونالت من الصيت والشهرة والانتشار هول ما أهّلها للفوز بجائزة بوليتزر 125 مرة، لينتقل بعدها الكاتب للكتابة في مجلة The Atlantic التي يعود تاريخ تأسسها للعام /1857 في ولاية بوسطن.

يورد ديفيد في مقاله الوداعي “كيف نقرأ عالمنا اليوم؟”، والذي لم يكتفِ بتوديع قرائه، بل نسج خيوط رؤيته للعالم كما كان يراه، وتلك رؤية جديرة بالتملّي والتأمل والتوقّف عندها بتركيز وانتباه، يُلزمنا الكثير من الجهد في تكثيف مرامي ومديات ما أراد تناوله وطرحه، ولعل ما يشفع لنا موضوعية ومهنية ذلك، جدية الوقوف عند ضفاف أهم ما يلخص المنحى والنسق الأساسي – العام الذي بنى عليه قيمة وجدوى جوهر مقاله، إذ يقول ما مفاده: جئتُ للتايمز، تحذوني رغبة الترويج لفلسفة سياسية محافظة معتدلة، متأثرة ببعض المفكرين العقلانيين، وكنت ناجحاً جداً في إقناع الناس بوجهة نظري، لدرجة أن الجمهوريين المعتدلين من الذين باتوا -اليوم- قوة مهيمنة في السياسة الأمريكية، يسيطرون على كل شيء من البيت الأبيض.

لكن كثيراً ما كنتُ أعتقد أن هناك خللاً غير طبيعي يقع في واقع السوق الثقافية الأمريكية. يستطرد ليقول: نعم لدينا برامج لا تُحصى عن السياسة والأعمال والتكنولوجيا، بيد أننا نفتقر -وبشدة- إلى برامج تتناول الأسئلة الأساسية في الحياة، كالتي تشكل جوهر التعليم الإنساني الكلاسيكي، أسئلة تتعلق بكيف يصبح الإنسان أفضل؟ كيف يمكن له أن يجد معنى لحياته في التقاعد؟ ويبقى السؤال الأكبر: هل ما زالت لدى أمريكا قصة وطنية جامعة؟ كيف تتعافى الأمم العظيمة من عصور الطغيان؟

كل ما راه حيال بحثي عن إجابة، سوى أن أجد فقداناً جماعياً -تاماً- للإيمان، ليس الإيمان الديني فحسب، بل بجميع أشكاله، كما أننا لم نزل نشعر بنشوة الانتصار منذ العام 2003، أي بعد أوهام نجاحنا في الحرب الباردة، وكان لنا قدر كبير من الثقة بأن الديمقراطية تجتاح العالم، لكن عالم ما بعد تلك الحقبة جاء مخيباً للآمال. حرب العراق سارعت بتحطيم ثقة أمريكا في قدراتها الذاتية، كذلك الأزمة المالية العالمية التي حطّمت الإيمان بأن “الرأسمالية”، إذا ما تُركت لوحدها، ستنتج رخاءً واسعاً ومستقراً. الإنترنت لم يجلب عصراً من التواصل والتفاعل، بل جاء لنا بالاكتئاب المتزايد والعداء والوحدة، إلى جنب حدوث انهيار على مستويات الثقة الاجتماعية، كذلك كشف عن فقدان شامل للإيمان بالجيران. صعود الصين، وكل ما يمثله دونالد ترامب، قد حطّم افتراضاتنا الهادئة حول دور أمريكا في العالم.

وفي مكان آخر يفيد ديفيد – بروكس ليضيف قائلاً:

“ترامب يفهم قوة الثقافة، لكنه يروّج لثقافة قائمة على الهيمنة، وهي ثقافة منزوعة الإنسانية”.

محاور أخرى يتناولها القسم الثاني من عمودنا في الأسبوع القادم، إذا أراد الله.

ح.ع.الحميد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours