عندما يتحول الإعلام إلى أداة تحريض..!

نمتار / جمال پیرە

متى تحوّل الإعلام من حارس للحقيقة إلى تاجر للدماء؟ ومتى أصبحت كرامة الإنسان ومعاناته مادة للاستهلاك الإعلامي السريع؟ الأسئلة الصعبة تفرض نفسها اليوم أمام ممارسات مؤسسات إعلامية عريقة تخرق بشكل منهجي أبسط قواعد الأخلاقيات الصحفية. فبينما تدّعي هذه المؤسسات الحيادية والمهنية، تنشر صوراً ومقاطع لجرائم القتل والتعذيب رغم علمها اليقيني بحظر هذا المحتوى تماماً، متجاهلة مشاعر الضحايا وذويهم، ومتناسية التأثير النفسي المدمر على ملايين المشاهدين، كما تتعمد انتهاك المعايير المهنية لإظهار انحيازها السياسي والطائفي، بصرف النظر عن هوية الضحية أو معتقداتها.

وتتجاوز الانتهاكات مجرد النشر، إذ تعرض بعض المنصات المحتوى الصادم دون تحذير مسبق، بل وتضعه في واجهات صفحاتها الرئيسية وتطبيقاتها الإخبارية مما يُعرّض ملايين المستخدمين، بمن فيهم الأطفال والمراهقون، لصدمات نفسية قد تمتد آثارها لسنوات. وفي تغطية حروب غزة واليمن والسودان، والصراع السوري الأخير، كشفت هذه الممارسات عن أزمة أخلاقية عميقة تهدد مصداقية الإعلام .

غالباً ما لا تتخذ القنوات والمؤسسات الإعلامية مواقف سياسية واجتماعية مباشرة بأسمائها الرسمية، لكن نواياها الحقيقية تتجلى من خلال كُتّابها ومقدمي برامجها، فكيف يمكن لمقدم برامج، وباسم مؤسسته، أن يصطف ضد طرف متحارب ويدافع عن الطرف الآخر؟ أين يجد هذا مكاناً له في أخلاقيات العمل الصحفي؟ ليس من حقنا منع أي شخص من التعبيرعن مواقفه السياسية لكننا في الوقت ذاته ندرك غايات هؤلاء الإعلاميين والأسباب الكامنة وراء أفعالهم.

 لذا، عندما يصل الأمر إلى ممارسة أعمال بعيدة كل البعد عن أخلاقيات المهنة تحت غطاء الإعلام، فإننا نعتبر من حقنا أن نصدح بأصواتنا عالياً ودون وجل لنقول: إن هذا نشاط سياسي وحزبي، ولا يجوز احتسابه جزءاً من العمل الإعلامي و يجب ألا نصمت حيال انتهاكات أخلاقيات العمل الصحفي، أياً كانت المؤسسة الإعلامية التي تقف وراءها.

تؤكد المعايير الدولية للصحافة، بما فيها مدونات السلوك الصحفي التابعة لمنظمة اليونسكو ونقابات الصحفيين العالمية، على ضرورة احترام كرامة الإنسان حياً أو ميتاً، وعدم استغلال معاناة الضحايا لتحقيق مكاسب إعلامية أو سياسية. وتنص المادة الثامنة من ميثاق الشرف الصحفي الدولي صراحةً على أنه “يجب على الصحفي احترام الحق في الخصوصية والكرامة الإنسانية، وتجنب نشر ما من شأنه المساس بكرامة الضحايا أو إلحاق الأذى النفسي بذويهم”.

في خضم الصراعات التي شهدتها المنطقة على مدى العقدين الماضيين نجد أنفسنا أمام سيل متواصل من المقاطع المصورة التي تعرض هجمات المسيّرات وصور القتلى والجرحى، ومشاهد القتل الجماعي ورمي الجثث والإساءة إليها. تُنشر هذه المقاطع بوتيرة يومية وتحظى بملايين المشاهدات، بينما تتحول معاناة البشر إلى مادة للاستهلاك الإعلامي السريع، في تجسيد صارخ لتحول الإعلام من رسالة إنسانية إلى أداة دعائية وتحريضية.

تُشير الدراسات إلى أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف الصريح يؤدي إلى تبلّد المشاعر الإنسانية، وتطبيع الوحشية، وتحويل المعاناة إلى مادة استهلاكية تُنسى بسرعة. ويزداد القلق حين تتحول هذه المحتويات إلى مادة للتداول الفيروسي على منصات التواصل الاجتماعي، مصحوبة بتعليقات تحريضية وخطاب كراهية، مما يُغذي دورة العنف ويُعمّق الانقسامات المجتمعية، بدلاً من أن يسهم الإعلام في نشر ثقافة السلام والتعايش.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours