نمتار / المعمار علاء معن

لا تُقاس المدن العظيمة بما تشيده من عمارةٍ خلّاقة، أو ما تمتلكه من شبكات طرق وبنى تحتية متطورة فحسب، بل بما تنتجه من هوية بصرية قادرة على أن تحكي تاريخها، وتعكس ثقافتها، وتجسد روحها الإنسانية. فالعمارة المتميزة، والفضاءات العامة المدروسة، والفن المتناغم مع المكان، هي التي تمنح المدينة شخصيتها المتفردة، وتجعلها حاضرة في ذاكرة أهلها وزائريها على حد سواء. فالفضاء العام ليس مجرد فراغ عمراني يفصل بين الأبنية، بل هو نص بصري مفتوح، تتعاقب على كتابته العمارة، والنحت، والجداريات، والأشجار، والماء، وحركة الإنسان. وكلما ازداد الانسجام بين هذه العناصر، ازدادت المدينة قدرةً على التعبير عن ذاتها، وتحوّل التجوال فيها من مجرد انتقال مكاني إلى تجربة ثقافية وجمالية ثرية.

ومن هذا المنطلق، فإن الفن العام ينبغي اعتباره أحد المكونات الأساسية للتخطيط الحضري، وعنصراً فاعلاً في صناعة الهوية البصرية وصياغة الذاكرة الجمعية. وحين تغيب الرؤية المؤسسية المنظمة، يتحول المشهد الحضري إلى تراكمات متفرقة، وتغدو الأعمال الفنية اجتهادات فردية، مهما بلغت قيمتها، عاجزة عن إنتاج لغة بصرية موحدة تعبّر عن روح المدينة وتاريخها.
ولعل بغداد، بما تمتلكه من تاريخ استثنائي وعمق حضاري، أحوج ما تكون اليوم إلى مشروع متكامل لإدارة الفن العام، يقوم على رؤية استراتيجية طويلة الأمد، لا على مبادرات متفرقة أو معالجات آنية. ويمكن لهذه الرؤية أن تنهض على أربعة مسارات متكاملة، يشد بعضها بعضاً، لتنتج في مجموعها مشهداً حضرياً متوازناً، يجمع بين الإنسان والرمز، وبين الحياة اليومية والذاكرة الوطنية.

أولى هذه المسارات تتمثل في توزيع الاعمال النحتية ذات المقياس البشري (Human Scale) داخل الحدائق العامة ومسارات المشاة والساحات المفتوحة، من دون قواعد مرتفعة تفصلها عن الناس. فحين تلامس الكتلة الفنية الأرض، يختفي الحاجز النفسي بين العمل والمتلقي، ويتحول الفن من موضوع للمشاهدة إلى جزء من الحياة اليومية. يقترب منه الاطفال، وتجلس العائلات حوله، ويتفاعل معه المارة بعفوية، ليصبح الفن عنصراً حياً من عناصر المدينة، لا قطعة معزولة فوق منصة.
ولعل الفنان الأمريكي ريتشارد سييرا قد لخّص هذه الفلسفة “بإن منحوتاته ليست أشياء يُراد من المشاهد أن يقف ويحدق فيها، بل كان مهتمًا بخلق حيز سلوكي “.Pehavioral Space يتفاعل فيه المشاهد مع المنحوتة ضمن سياقها
وقد نجحت فضاءات مفتوحة في مدن عديدة في تجسيد هذا المفهوم، كما في حديقة فريدريك ميجر في ولاية ميشيغان الأمريكية، ومنحوتات هنري مور ولين تشادويك المنتشرة في أماكن مختلفة داخل بريطانيا، حيث يمتزج الفن بحركة الحياة اليومية. أما بغداد، فقد امتلكت نموذجاً رائداً في العمل الخالد “شهريار وشهرزاد” للفنان الراحل محمد غني حكمت، الذي غدا جزءاً من الذاكرة البصرية لحدائق أبي نؤاس ومرتاديها. ويمكن توسيع هذه التجربة لتشمل بقية حدائق أبي نؤاس، وحديقة الأمة، و متنزه الزوراء، والحديقة المقابلة للمسرح الوطني، فضلاً عن مسارات المشاة في شارع الرشيد والمتنبي والقشلة والسراي، وغيرها من الفضاءات التي تستحق أن تتحول إلى متاحف مفتوحة تتنفس الفن في تفاصيلها اليومية.
أما المسار الثاني، فيتعلق بتخليد الرموز التاريخية والفكرية والعلمية والثقافية والفنية عبر النصب التذكارية ذات القواعد المرتفعة. فهذه الأعمال تختلف في فلسفتها عن منحوتات الحياة اليومية، إذ تؤدي وظيفة رمزية تتجاوز التفاعل المباشر، ولذلك تحتاج إلى مواقع مدروسة وقواعد تمنحها الهيبة والحضور في المشهد الحضري. فالنصب التذكاري ليس مجرد كتلة من البرونز أو الحجر، بل علامة حضارية تختزن ذاكرة الأمة، وتعيد إنتاجها بصرياً في قلب المدينة.
يقول البروفيسور الأمريكي سيث بروغمان الاستاذ المشارك في التاريخ بجامعة تمبل: “وقبل كل شيء، يجب أن نتذكر أن هذه النصب ليست صامتة. فكلما تعمّقنا في التفكير في تفاصيلها اليوم، زادت احتمالية أن تُعبّر بوضوح اكثر غدًا”. باعتبارها تجسيد مادي للذاكرة الجماعية للأمة، ومنارة بصرية تذكّر الأجيال بجذورها. ويقدم تمثال موزارت في سالسبورغ/ النمسا مثالاً واضحاً لهذه الرؤية، كما تقدم بغداد نفسها نماذج راسخة في اعمال للفنان إسماعيل فتاح الترك كتمثال معروف الرصافي في ساحة الرصافي وتمثال الفارابي في ساحة الوثبة، حيث تؤدي هذه النصب دوراً يتجاوز معنى التخليد، لتصبح محاور بصرية تنظم الفضاء العمراني وتمنحه إيقاعه.
ولا يكتمل هذا التصور من دون المسار الثالث في أن يكون الفن حدثاً مجتمعياً متجدداً، لا مجرد أعمال ثابتة. ومن هنا تنبع أهمية تأسيس ملتقى سنوي للنحت والفنون العامة (Art Symposium)، تتحول فيه بغداد إلى ورشة إبداع مفتوحة، يعمل الفنانون خلالها أمام الجمهور، ويتابع المواطن ولادة العمل الفني منذ لحظاته الأولى. إن هذه التجربة لا تنتج منحوتات جديدة فحسب، بل تخلق علاقة وجدانية بين المجتمع والفن، وتعيد الاعتبار للثقافة بوصفها ممارسة يومية.
يؤكد النحات النمساوي كارل برانتل “ان العمل في الهواء الطلق له ظروفه المختلفة عن العمل في الاستوديو، فمواجهة مثل هذا الحجر في الطبيعة تمنح تجربة مختلفة، إذ تشعر أيضاً بالشجرة والعشب والطحالب والغيوم… كما ينبغي أن تبقى الأحجار في مكانها الذي نُحتت فيه، وأن تكون متاحة للجميع..”
وقد أثبتت ملتقيات النحت في الدنمارك، ومنها مركز هولوفغارد للنحت – أودنسه، نجاح هذا النموذج في تحويل الساحات إلى محترفات مفتوحة تتفاعل معها المدارس والجامعات والجمهور.
ويمكن لبغداد أن تخصص فضاءً دائماً لهذا الملتقى السنوي ضمن مساحة محددة في متنزه الزوراء مثلا، مجهزاً بالبنية التحتية اللازمة، ليكون طوال العام مركزاً للورش الفنية لطلبة المدارس والمعاهد وكليات الفنون الجميلة، ومعرضاً مفتوحاً للأعمال التي تنتج خلال هذه الملتقيات، وبذلك يتحول المكان إلى مختبر دائم للإبداع، لا إلى فعالية موسمية عابرة.
ويكتمل هذا البناء البصري من خلال المسار الرابع بحضور الجداريات التشكيلية ذات الفكرة والمغزى، فهي ليست مجرد مساحات ملونة تكسر رتابة الخرسانة، بل نصوص بصرية تخاطب الوعي الجمعي، وتعيد صياغة علاقة الإنسان بمدينته. وقد آمن فنان الجداريات المكسيكي الشهير دييغو ريفيرا بأن الجدارية هي أبلغ وسيلة للتعبير الفني لأنها تخرج الفن من عزلة المتاحف لتضعه على الجدران المفتوحة حيث يعيش الناس، لتصبح كتاباً تاريخياً وفلسفياً بصرياً يقرؤه الجميع.
ومن ثورة الجداريات المكسيكية إلى جداريات بوغوتا، أثبتت التجارب العالمية أن الجدار يمكن أن يتحول إلى سجل للتاريخ والثقافة والهوية. أما بغداد، فقد تركت بصمتها في هذا المجال من خلال جدارية فائق حسن وجداريات غازي السعودي، ثم عبر مبادرات معاصرة، من بينها مبادرتنا عام 2022 المتمثلة بجداريتي “بائع الرقي” لجواد سليم و“بائع البطيخ” لحافظ الدروبي في مدخل سوق الصدرية عام 2022، بوصفهما محاولة لإحياء الإرث البصري وربطه بالحياة اليومية للمدينة.
غير أن نجاح هذه المسارات جميعاً يبقى رهناً بوجود مؤسسة قادرة على إدارتها ضمن رؤية واحدة. ولذلك تبدو الحاجة ملحة لأن تتبنى أمانة بغداد، بوصفها الجهة المسؤولة عن إدارة المشهد الحضري، تشكيل “اللجنة العليا لإدارة الفن العام في مدينة بغداد” بقرار من هيئة الرأي، على أن تتمتع باستقلالية مهنية، وألا تخضع للإجراءات البيروقراطية التقليدية.
وتضم هذه اللجنة ممثلين عن أمانة بغداد، ولاسيما دائرة التصاميم وأعضاء اللجنة العليا للتصميم الأساس، ودائرة الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة، وأقسام الهندسة المعمارية في جامعات بغداد، والتكنولوجية، والنهرين، والمستنصرية، وإحدى الجامعات الأهلية الرصينة، وكلية الفنون الجميلة بتخصصاتها المختلفة،، وجمعية الفنانين التشكيليين، وأتحاد الادباء، إلى جانب نخبة من الفنانين والمعماريين والنقاد المستقلين.
تتولى هذه اللجنة مسؤولية إعداد رؤية استراتيجية لإدارة الفن العام وفق المسارات الاربعة المذكورة آنفا، تمتد لعشر سنوات. تحدد من خلالها، أولويات المدينة، ومواقع الأعمال، وآليات تنفيذها، وتستقبل المقترحات، وتطرح المشاريع عبر مسابقات مفتوحة وشفافة، تشرف عليها لجان تحضيرية وتحكيمية محايدة تضم خبرات عراقية وعربية ودولية، بما يضمن أعلى مستويات الجودة والمهنية التي تليق بتاريخ بغداد ومكانتها وذاكرتها البصرية.
إن بغداد لا تعوزها الطاقات الإبداعية، ولا ينقصها الإرث الحضاري، ولا تفتقر إلى العقول القادرة على صناعة الجمال، وانما تحتاج الى احياء الاطار المؤسسي الذي يجمع الطاقات في مشروع حضري متكامل، يحوّل الفن العام من مبادرات متفرقة الى سياسة ثقافية مستدامة. وعندما يصبح لكل عمل فني مكانه الصحيح، ولكل مكان رؤيته، ولكل رؤية سياقها المؤسسي، عندها فقط تستعيد بغداد صورتها التي تستحقها؛ مدينةً تُقرأ كما تُرى، ويغدو فنها العام إمتداداً لذاكرتها الحضارية، وجسراً يصل ماضيها العريق بمستقبلها.




+ There are no comments
Add yours