لحظة ما…برنامج مطلوب

نمتار / برهان المفتي

قبل سنوات وسنوات.. حين كانت المعلومة نادرة وغالية، حيث لا إنترنت ولا الرفيق گوگول ولا الذي غلبه بالقاضية الذكاء الاصطناعي، حينذاك كنا نتابع برنامجاً إذاعياً قصيراً عن “حدث في مثل هذا اليوم”، وكان البرنامج يذاع في بداية الصباح والدوام، فلا وقت لدى المستمع لكي ينتبه إلى ما يسمع، بل برنامج لملء الفراغ وملل روتين الاستيقاظ اليومي. غير أني بطبيعتي التي أعاني منها وهي التدقيق في كل شيء، سمعتُ نفس الحلقة في يومين متتالين رغم اختلاف تاريخ اليوم.

كان مخرج البرنامج صديقاً لصديق لنا، فقام بإيصال ملاحظتي له، وكان جواب المخرج واضحاً ومباشراً ” يمعود هذا يا بطران جاي يسمع البرنامج من الصباحيات؟ هو هذا وقت واحد يسمع برنامج؟” ثم كمّل جوابه بحسب ما نقله لي الصديق المشترك “عيوني آني حتى ما متأكد من المعلومات بالبرنامج بس لازم أسوي برنامج لأن مطلوب مني”!

احترمتُ ذلك المخرج كثيراً لصراحته، وكان ذلك درساً مهماً لي بأنْ لا أعتمد على ما أسمع، بل عليّ البحث عن سبب ما أسمع لكي أعرف الحقيقة، ولكن ذلك الدرس فشل في إقناعي ترك طبيعتي التي تدقق كثيراً، لدرجة تطبيق المثل العراقي الصحي جداً والذي بطله حب الرگي، ولونه الذي يجعل من الاستحالة البحث عنه في الذي يخرج من بطوننا، وحتى لو وجدته فما فائدة هذا البحث من الأساس!

ولأني مهندس، فالقياس ضمن اختصاصي، لذلك أقيس ما يجري واسمع هذه الأيام من حملة ضد الفساد،  فأجد في القياس نفسه مع برنامج “حدث في مثل هذا اليوم”، والذي كنتُ – ربما- البطران الوحيد الذي أنتبه إلى حلقة مكررة منه في تاريخين مختلفين، ولكن هذه المرة لن أشعر بالوحدة البطرانية. فكلما قرأنا عن اعتقال “فويسد”،  فأننا نقول سراً وجهراً  “شايفين  هذه المسرحية أكثر من شوفة وجوهنا بالمراية”، وإذا كان المخرج الإذاعي يعترف بأن برنامجه “مطلوب” رغم أنه لا يثق بما فيه، فإن بعض حملات مكافحة الفساد تبدو هي الأخرى برنامجاً -وفي حالتنا مسرحية- مطلوباً بنسخة مكررة، وتكرار المسرحية في كل “موسم” يجعلنا نضحك على حالنا ونحن نشاهدها، لا لشيء ولكن أن نضحك على مسرحية نعرف تفاصيل كل جملة فيها يجعلنا نشعر بأننا نتحكم في فصولها وشخصياتها…ولهذا نضحك الآن بقهقهة عالية… ربما هو هذيان من فرط الضحك علينا.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours