![]()
لو ينهضُ السيّاب !!
قصيدة للشاعر حسن غبد الحميد

(لكَ الحمدُ .. مهما أستطال البلاء
ومهما أستبدّ الألم …
لك الحمدُ أن الرزايا العطاء
وأن المصيباتِ بعضَ الكرم !! )*
لو ينهضُ السيّاب
من فجرِّ غفلتِه
ويضربُ الأرض .. ملء صحوتِه
لأستغاثَ ظلماً من سِفرِ هذا العذاب
ولأستبدّ به الذعرُ حدّ الذبول
حدّ الأفول … حدّ الجنون
وحدّ…………………. الوهن!
ولأستحضرَ .. محنةَ أيوب**
ملمحاً شاحباً من (ألبوم) مناحاتِ
!! هذا الوطن
من أفزعَ هذي الناقة َ
وأستفزّ جموعِ أمومتها .. هلعاً ؟؟!
مَن ؟!!!
الموتُ ؟ .. أم الموتَ …؟!
أم موت .. الموت؟؟
أم .. عقوق عطايا
وجوافل جحود هذا الزمن ؟؟
لو ينهضُ السيّاب
من بعدِ .. طولِ غياب
سَيأنّ مُوجوعاً .. ومُلتاعاً
و مكدوراً .. ليس من حُمّى
أوجاعَ غربتهِ
لا…
ولا .. من كيّد أمراضه المُثقلات
بالآسى .. والأنين
بل .. من حُزنِ وهج الشمس
فوق أرصفةَ الضحايا
وزواحم كداس وأنفاس
فحم و لحم .. ودم وندم
..! قرابين محشرِ هذا الغياب

هوامش وأشارات:
*المقطع الأول من قصيده السيّاب الشهيرة(سِفر أيوب)
** أيوب …النبي الذي أقترن أسمه بالصبر الأسطوري
الناقة… اقصد بها “المرأة العراقية”
–جوافل … من جفلة
زواحم … من رحمة
هذه القصيدة من النصوص التي لا يكفي معها الوقوف عند ظاهر الاحتجاج أو الرثاء لأنها تبني خطابها على استدعاء السيّاب بوصفه شاهدا شعريا على عراق لم تنتهِ محنه بل تبدّلت صورها. والنص في تقديري يتحرك بين ثلاثة مستويات متداخلة السيّاب وأيوب والعراق حتى يصبح السيّاب نفسه جزءا من سؤال الوطن عن معنى الألم والصبر والخذلان.
منذ العتبة الأولى (لو ينهضُ السيّاب!!) يضع حسن عبد الحميد قصيدته أمام احتمال افتراضي شديد الكثافة ماذا لو عاد السيّاب لا ليكتب قصيدة جديدة بل ليرى العراق بعين الشاعر الذي خبر المرض والغربة والفقد وكتب من قلب المحنة العراقية واحدة من أكثر القصائد التصاقا بالوجع الإنساني؟
إن كلمة (لو) هنا ليست مجرد أداة شرط إنها مفتاح القصيدة كلها. فالسيّاب غائب جسدا لكنه حاضر شعريا وحضوره هو الذي يسمح للشاعر بأن يحاكم الحاضر من خلال شاعر عاش مآسي العراق ومات وهو يحمل جرحه.
ويأتي الاستهلال باقتباس من (سِفر أيوب) للسيّاب:
(لك الحمدُ.. مهما أستطال البلاء
ومهما أستبدّ الألم)
وهنا لا يقتبس حسن عبد الحميد السيّاب لمجرد التزيين أو الاستشهاد وإنما يدخل مباشرة إلى النسيج الروحي والفكري للقصيدة السيّابية. فـ(أيوب) عند السيّاب رمز للصبر أمام البلاء، لكن الشاعر المعاصر يسأل ضمنا كم يستطيع العراق أن يصبر؟ وهل ما نعيشه ما يزال بلاء يُحتمل أم تحوّل إلى شيء يتجاوز طاقة أيوب نفسه؟
وهذه واحدة من أهم مفارقات النص.
السيّاب بوصفه شاهدا يعود من الموت
يقول:
لو ينهضُ السيّاب
من فجرِّ غفلتِه
ويضربُ الأرض .. ملء صحوتِه
النهضة هنا ليست نهضة جسدية فحسب إنها عودة الوعي.
والتعبير (يضرب الأرض) يستعيد في ذاكرة القارئ صورة السيّاب وهو يواجه الأرض العراقية لكنها في هذه القصيدة تصبح أكثر عنفا لأن الشاعر يريد لعودة السيّاب أن تكون عودة صادمة توقظ المكان من غفلته. ثم تتصاعد الجملة:
لاستغاثَ ظلما من سِفرِ هذا العذاب
ولاستبدّ به الذعرُ حدّ الذبول
حدّ الأفول… حدّ الجنون
وحدّ…………………. الوهن!
التدرج هنا واضح
الذبول .. الأفول .. الجنون .. الوهن
إنها ليست مجرد قائمة مترادفات بل سُلّم انحدار نفسي. يبدأ الألم بإضعاف الكائن ثم يطفئه ثم يدفعه إلى حافة الجنون وأخيرا إلى الوهن.
والنقاط الممتدة قبل (الوهن) تؤدي وظيفة بصرية ودلالية كأن اللغة نفسها تتعب قبل أن تصل إلى الكلمة الأخيرة.
وهذه تقنية موفقة لأن (الوهن) هنا ليس خاتمة الألم بل ربما المرحلة التي تعجز فيها اللغة عن وصف المزيد.
من أيوب السيّاب إلى أيوب العراق
بعد ذلك يقول:
ولأستحضرَ.. محنةَ أيوب
ملمحا شاحبا من (ألبوم) مناحات
هذا الوطن !!
هنا تحدث عملية انتقال مهمة جداً..
لم يعد أيوب شخصية دينية أو تراثية فحسب، ولم يعد السيّاب شاعرا يستعاد من الماضي كلاهما يتحولان إلى مرآتين للعراق.
فالسيّاب استحضر أيوب ليعبّر عن محنته ومحنة وطنه وحسن عبد الحميد يستحضر السيّاب الذي استحضر أيوب لكي يقرأ محنة العراق الراهنة.
إنها أشبه بسلسلة تناصية
أيوب .. السيّاب .. العراق المعاصر
وبذلك تصبح القصيدة حوارا بين ثلاثة أزمنة الزمن المقدس والزمن السيّابي والزمن العراقي الراهن.
أما كلمة (ألبوم) فهي لافتة لأنها تنقل (المناحات) من المجال التقليدي إلى صورة حديثة كأن الوطن يحتفظ بألبوم طويل من الصور السوداء وكل صورة فيه تحمل مأساة عراقية .
ولذلك جاء
ملمحا شاحبا
فالشحوب ليس في الصورة وحدها وإنما في ذاكرة وطن أرهقته الصور.
الناقة: صورة الوطن من خلال المرأة العراقية
من أكثر المقاطع إثارة للتأويل
من أفزعَ هذي الناقةَ
واستفزّ جموعِ أمومتها.. هلعا؟!
مَن؟!!!
الموتُ؟.. أم الموتَ…؟!
أم موت.. الموت؟!
ويكشف الشاعر في هامشه أن (الناقة) يقصد بها المرأة العراقية ، وهنا يتحول الرمز من الحيوان إلى الأنثى ومن الأنثى إلى الأمومة ومن الأمومة إلى الوطن.
فالناقة ليست مجرد امرأة إنها الأم العراقية بكل ما تحمله من دلالات الولادة والحماية والاحتضان والفقد.
والسؤال
مَن؟!!!
من أقوى لحظات القصيدة من الناحية الدرامية، إنه سؤال معلق في الهواء لا يريد الشاعر أن يجيب عنه إجابة مباشرة لأن المأساة أكبر من أن تختصر في قاتل واحد.
ثم يأتي التصعيد:
الموتُ؟.. أم الموتَ…؟!
أم موت.. الموت؟!
وهنا يشتغل الشاعر على التلاعب النحوي والدلالي بكلمة الموت.
الموت الأول يمكن أن يكون الفناء الطبيعي والثاني يتجه إلى فعل الموت وإيقاعه أما (موت الموت) فيفتح مستوى أكثر تجريدا حين يصبح الموت نفسه عاجزا عن استيعاب حجم الموت.
إنها مبالغة شعرية مقصودة لكنها تخدم فكرة أساسية العراق لم يعد أمام موت واحد وإنما أمام طبقات من الفقد.
(عقوق عطايا) و(جوافل جحود)
ثم يقول:
أم.. عقوق عطايا
وجوافل جحود هذا الزمن؟
وهنا يبتعد النص قليلا عن الموت بمعناه الجسدي ليدخل في الموت الأخلاقي.
(عقوق عطايا) تركيب لافت لأن العطاء عادة يستدعي الامتنان بينما (العقوق) يأتي نقيضاً له. وكأن الشاعر يتساءل عن زمنٍ لم يعد يعرف قيمة ما مُنح له.
أما (جوافل) التي يشرحها الشاعر بأنها من (جفلة) فتمنح الصورة حركة مفاجئة وكأن الجحود نفسه صار قطعانا مذعورة تهرب من مواجهة الحقيقة.
عودة السيّاب الثانية من مرض الجسد إلى مرض الوطن.
في القسم الثاني يعود
لو ينهضُ السيّاب
من بعدِ.. طولِ غياب
سيأنّ موجوعا.. وملتاعا
ومكدورا!!
وهنا تكتسب العودة بعداً آخر.
السيّاب الذي عرف المرض الجسدي لم يعد سيئن بسبب جسده هذه المرة:
ليس من حُمّى
أوجاع غربتهِ
لا…
ولا.. من كيدِ أمراضه المُثقلات
بالأسى.. والأنين
هذه المقابلة شديدة الأهمية إذ ينقل الشاعر السيّاب من مرض الجسد إلى مرض الوطن.
فالسيّاب كان مريضا في جسده لكنه في القصيدة الجديدة يصبح مريضا بما يرى.وهنا تبلغ القصيدة إحدى أهم أفكارها.إن أوجاع العراق المعاصر لو رآها السيّاب لكانت أشد عليه من مرضه الشخصي، وهذا ليس مجرد تعظيم للسيّاب بل هو استدعاء لمعياره الأخلاقي والشعري.
(حزن وهج الشمس) المفارقة الأكثر جمالا من أجمل الصور في القصيدة؛
بل.. من حُزنِ وهجِ الشمس
فوق أرصفةَ الضحايا
عادةً الشمس رمز للحياة والنور والانكشاف لكن الشاعر يقلب المعادلة حتى وهج الشمس حزين.وهنا تكمن المفارقة الشعرية.
الشمس التي يفترض أن تكشف الحياة أصبحت تسلط ضوءها على الضحايا
والأرصفة وهي أماكن عابرة للناس تتحول إلى مسرح للموت.
ثم تأتي الصورة الأكثر خشونة:
وزواحم كداس وأنفاس
فحم ولحم.. ودم وندم
بحسب هامش الشاعر (زواحم) مشتقة من (رحمة) وهذه ملاحظة مهمة لأن الشاعر يتعمد بناء مفارقة بين الرحمة والزحام في نسيج العبارة:
أما
فحم / لحم
دم / ندم
فهي من أكثر المقاطع اشتغالا على الصوت.
هناك تقارب صوتي واضح لكنه ليس لعبة لفظية مجانية فالفحم واللحم والدم تنتمي إلى المشهد المادي للمأساة بينما (الندم) ينقلنا إلى بعدها النفسي والأخلاقي
أي أن القصيدة تنتقل من:
الجسد المحترق .. الجسد الممزق .. الدم .. الوعي بالكارثة
وهذه من أنجح وحدات التكثيف في النص.
(قرابين محشر هذا الغياب)
وتبلغ القصيدة ذروتها في:
قرابينِ محشرِ هذا الغياب..!
(القرابين) تستحضر طقس التضحية و(المحشر) يستحضر يوم الحساب بينما (الغياب) يستحضر الموت والفقد.
فتتجمع ثلاث دلالات في عبارة قصيرة
التضحية .. الحساب .. الغياب.
وهكذا يصبح العراق في المخيال الشعري للنص كأنه مكان مفتوح لمحشر لا ينتهي والضحايا فيه قرابين متكررة.
لكن اللافت أن الشاعر لا يقدم الضحايا بوصفهم أرقاما بل يردهم إلى اللحم والدم والنفس والأمومة والشمس والأرصفة. ولذلك يظل الموت في القصيدة إنسانيا لا إحصائيا.
التناص مع السيّاب ليس اقتباسا بل حوار..
قوة القصيدة الأساسية تكمن في أن حضور السيّاب ليس حضور اسم مشهور يُستدعى للاستعانة به وإنما هو حضور نصي وروحي.
فالشاعر يستعير من السيّاب:
(سِفر أيوب)*
*ثيمة المرض
*الغربة
*العراق
*الألم
*علاقة الشاعر بالوطن
*قدرة الشعر على تحويل المعاناة إلى شهادة
ثم يعيد إنتاج هذه العناصر داخل زمن مختلف.وهذا هو التناص المنتج النص القديم لا يكرر نفسه بل يُستدعى لكي يُختبر في الحاضر.
والقصيدة بذلك لا تقول فقط (ماذا كان سيكتب السيّاب؟) وإنما تسأل سؤالا أعمق.
هل ما يزال العراق الذي كتب عنه السيّاب قادرا على إنتاج لغة جديدة للألم؟
البنية الفنية والإيقاعية
القصيدة مكتوبة في فضاء الشعر الحر/قصيدة التفعيلة ولذلك لا تتعامل مع الوزن الخليلي بوصفه قالباً ثابتا يفرض طولا متساويا على الأسطر.
الإيقاع يتشكل من:
التكرار.
الجمل القصيرة.
الوقفات.
علامات الاستفهام والتعجب.
الحذف بالنقاط.
التدوير الدلالي.
التقارب الصوتي.
ولذلك نجد
حدّ الذبول
حدّ الأفول
حدّ الجنون
وحدّ……………. الوهن!
ثم:
موجوعا.. وملتاعا
ومكدورا..
ثم
فحم ولحم
ودم وندم
وهذا التكرار ليس حشوا بل هو جزء من الموسيقى الداخلية للنص.والنقاط الكثيرة في القصيدة تؤدي دورا إيقاعيا واضحا إنها تمثل الصمت الذي يعجز الكلام عن تجاوزه.
اللغة بين الفصحى والانزياح
لغة حسن عبد الحميد هنا فصيحة لكنها ليست فصحى تقريرية. إنها لغة تعتمد على الانزياح والمفارقة والتركيب المركب.
من ذلك:
(سِفر هذا العذاب)
(ألبوم مناحات الوطن)
(حزن وهج الشمس)
(موت الموت)
((قرابين محشر الغياب
وهي تراكيب تجعل اللغة تتحول من مجرد ناقل للفكرة إلى جزء من الفكرة نفسها.
وقد تبدو بعض التراكيب شديدة الكثافة وربما تحتاج إلى قراءة ثانية حتى تستقر دلالتها لكن هذا تحديدا جزء من طبيعة النص الذي لا يريد أن يقدم مأساة العراق في صورة تقريرية مباشرة.
ملاحظة نقدية
إذا أردنا أن نقرأ القصيدة بصرامة نقدية فإن كثافة الصور والتراكيب والتكرار قد تجعل بعض المواضع أقرب إلى التراكم الشعوري منها إلى الاقتصاد الشعري خصوصاً في بعض سلاسل التكرار:
حدّ الذبول
حدّ الأفول
حدّ الجنون
وحدّ… الوهن
وكذلك:
الموت؟.. أم الموت؟..!
أم موت الموت؟
لكن هذا التراكم يبدو مقصودا ومتوافقا مع طبيعة النص لأن الشاعر لا يرسم مأساة هادئة وإنما يريد أن يجعل القارئ يعيش اختناق اللغة أمام فائض الكارثة.
ولهذا فإن الحكم على هذه المواضع بمعيار الاقتصاد وحده قد يضيّق من طبيعة التجربة التي يريد النص التعبير عنها.
الخلاصة
(لو ينهض السيّاب!!) ليست قصيدة عن السيّاب بقدر ما هي قصيدة عن العراق الذي لم يجد بعدُ خلاصه من سؤال السيّاب.
السيّاب في النص ليس شخصا غائبا بل ضمير شعري يعود كلما اشتد الألم. وأيوب ليس شخصية تراثية بل رمز للصبر الذي بدأ يتعب. والمرأة العراقية ليست «ناقة» بالمعنى الحرفي، وإنما هي الأمومة العراقية المفزوعة. والموت ليس نهاية بل صار ظاهرة تتكاثر حتى يبلغ الشاعر عبارة (موت الموت).
أما أجمل ما في التجربة فهو أن حسن عبد الحميد لم يحاول أن يقلد السيّاب بل حاور السيّاب.وهذه نقطة فارقة.
فالشاعر الحقيقي لا يعيد كتابة شاعر سبقه وإنما يضع تجربته في مواجهة تجربة ذلك الشاعر، ثم يسأل ماذا بقي من أسئلته؟ وماذا أضاف الزمن إلى أوجاعه؟
وفي نهاية القصيدة يبدو أن السيّاب لو نهض فعلا لن يحتاج إلى أن يكتب قصيدة جديدة يكفيه أن يرى.فما يراه من:
فحمٍ ولحمٍ.. ودمٍ وندم
قد يكون في المخيال الشعري لحسن عبد الحميد قصيدة كاملة لا تحتاج إلى قلم.
وهنا تكمن المفارقة الموجعة السيّاب الذي كان يحوّل وجع العراق إلى شعر سيعود في هذه القصيدة ليجد أن العراق نفسه صار قصيدة مفتوحة من الوجع.









