![]()
عندما وصلت إلى سويسرا، كنت نشيطًا اجتماعيًا وفنيًا. أمسيات، وولائم، وسفرات، وحياة تحمل طعمًا مختلفًا لمن خرج من بلدٍ حكمته سنوات القمع والخوف. عندما يغادر الإنسان مكانًا كان الكلام فيه قد يكلفه حياته، يشعر أن الهواء نفسه أصبح أخف.
فالحجاج ما زال يعيش في ذاكرتنا، وربما في ممارسات كثير من الحكام الذين ساروا على نهجه، وكأن شعاره ما زال حاضرًا: من تكلم قتلناه، ومن سكت مات غمًا. والقمع لا يتوقف عند السياسة، بل يتسلل إلى النفوس، فينعكس على سلوك الناس ويولد أمراضًا نفسية واجتماعية خطيرة، تجعل الإنسان أكثر قسوة على الآخرين، وأحيانًا على أقرب الناس إليه.
فالقهر الذي لا يستطيع الفرد توجيهه إلى مصدره الحقيقي، قد يظهر في البيت أو العمل أو الشارع على شكل عصبية أو عنف أو قسوة.
وكوني فنانًا، ولأن للألوان دلالاتها الخاصة عندي كما عند كثير من الفنانين، لم أتردد يومًا في ارتداء الملابس الملونة؛ الأحمر أو البرتقالي أو الأزرق. في زمن كانت فيه الألوان الزاهية تُعد حكرًا على النساء وفق الذوق العام السائد، لا وفق أي قاعدة حقيقية.
أتذكر أنني كنت أمشي أحيانًا في الشارع، فيمر شخص بسيارته ويطلق نحوي كلمة نابية أو تعليقًا ساخرًا.
وما زال صدى تلك العفطة القوية التي أطلقها أحدهم من سيارته، بعد أن حبسها سنوات عجاف وأفرغ فيها كل حقده على العالم على رأسي أنا.كنت أشعر أن بعضهم لا يراني أنا، بل يرمي نحوي كل ما اختزنه من غضب وقهر وحرمان عبر سنوات طويلة. وكأنني أصبحت هدفًا عابرًا لتفريغ حمولة ثقيلة حملها معه من زمن الاضطهاد.
لقد خلّفت تلك الظروف أمراضًا كثيرة في نفوسنا. عدد كبير من العراقيين، وأنا منهم، استطاع أن ينقذ نفسه وعائلته من ذلك الجو الملوث، لكنه خرج حاملًا معه آثار تلك المرحلة، وخزينًا من الجراح والانفعالات لا ينتهي بسهولة. بعضنا استثمر فرصة وجوده في بلدان تحترم الحريات والمساواة، وحاول أن يعالج نفسه مما تراكم في داخله عبر السنين.والبعض طور تلك الأمراض اللعينة
أعود إلى بداياتي في سويسرا..
في أحد المعارض الفنية التي زرتها، التقيت بسيدة سويسرية تُدعى ماري وهي صديقة عزيزة الى اليوم، ماري كانت مهتمة بالفن. وعندما علمت أنني فنان، تبادلنا أرقام الهواتف، وطلبت أن ترى بعض أعمالي. سألتني إن كنت أملك مرسمًا خاصًا، لكنني في ذلك الوقت لم أكن أملك واحدًا.
رتبنا موعدًا، وشاهدت أعمالي، فأعجبت بها واقتنت لوحة. وبعد فترة اقتنت أخرى، ثم ثالثة، حتى وصل عدد اللوحات التي اشترتها إلى أربع أو خمس لوحات، لا أذكر العدد بدقة.
ولم تكتفِ بذلك، بل أصرت على أن تساعدني في إيجاد مرسم خاص. ونجحت في ذلك، ثم اقترحت أن أقيم افتتاحًا رسميًا تدعو إليه أصدقاءها ومعارفها من المهتمين بالفن، وبعضهم أصبح لاحقًا من مقتني أعمالي.
كانت ماري سويسرية، مختلفة عني في الدين والثقافة واللغة، لكنها تعاملت معي بما يجمعنا جميعًا: الإنسانية.
بعد فترة، اقترح الصديق الراحل نبيل أن نحول المرسم إلى مركز ثقافي يجمع أبناء الجالية العربية. رحبت بالفكرة، وكذلك فعل صديقي نادر.
عملنا نحن الثلاثة قرابة شهر كامل على تجهيز المكان وتصميم ديكوره، وكان الناتج رائعًا بحق.
وجاء يوم الافتتاح، وكان متزامنًا مع عيد ميلادي في 31 آب. وجهنا دعوات إلى الأصدقاء والمعارف، كما دعونا أكبر صحيفة في المدينة لتغطية الحدث، إذ كان الافتتاح يتضمن معرضًا فنيًا لأعمالي.
وأطلقنا على المكان اسم “فضاء الشرق”.
في اليوم السابق للافتتاح حضر صحفي من الجريدة، وصوّر المكان، وأجرى معنا لقاءً قصيرًا. التقط صورة جماعية لي ولنبيل ونادر، ووعدنا بأن يُنشر التقرير صباح اليوم التالي.
استيقظنا في الصباح بكل حماس، وأخذنا نفتش الجريدة صفحةً صفحة، فلم نجد خبرًا ولا صورة. حتى صفحة الكاريكاتير بحثنا فيها ولم نجد أثرًا لنا.
بعد ساعات اتصل بي الصحفي معتذرًا. قال إن شخصًا عراقيًا اتصل به وأبلغه أن وراء هذا المكان جهات مشبوهة. ثم ذكر لي اسم ذلك الشخص، فكانت صدمتي كبيرة، لأنه كان صديقًا لنا، أكلنا وشربنا وضحكنا معه مرارًا.
قرر الصحفي أن يتحقق بنفسه قبل النشر.وبعد أسبوع، نشر الموضوع بعنوان عريض:
“فنان عالمي يفتتح مركز “فضاء الشرق في لوزان
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد، لكون تسمية العالمي فتحت باب آخر، فقد أخذ صاحبنا العراقي الجريدة وقدمها إلى السلطات، مدعيًا أنني أخفي عائدات معارض فنية وأتهرب من الضرائب.
وهكذا وجدت نفسي في معركة قانونية استمرت أكثر من أربعة أشهر، وتسببت في تعطيل معاملة لمّ شمل أولادي، الذين كنت قد انقطعت عنهم سبع سنوات بسبب الظروف السياسية ومنع السفر في زمن الطاغية.
في تلك الفترة وقف إلى جانبي عدد من السويسريين، وقدموا لي الدعم والمساندة حتى انتهت القضية لصالح الحقيقة.
وجاء أولادي أخيرًا
وكانت فرحتي بهم أكبر من أن توصف
بعد ذلك انطلق “فضاء الشرق” بالحياة. معارض فنية، وأمسيات شعرية، وجلسات موسيقية، ولقاءات اجتماعية وثقافية. وكنت أمول معظم هذه النشاطات من بيع لوحاتي الفنية.
لكن بعد فترة تلقيت اتصالًا من جهاز أمني سويسري يطلب زيارة المكان.
عشت أسبوعين من القلق حتى جاء الموعد.
حضر ضابط كبير بلباس مدني، وتجول في المكان، وطرح عليّ عددًا من الأسئلة وعندما انتهى، ابتسم وقال:
أرجو ألا أكون قد أزعجتك. من الجيد أنني جئت بنفسي، فالمعلومات التي وصلتنا مختلفة تمامًا عما رأيته هنا.
عندها أدركت أن بعض الناس لا يستطيعون العيش إلا في صناعة الشكوك والخصومات.
ورغم أنني لم أخسر شيئًا قانونيًا، فإنني كنت قد تعبت نفسيًا من خوض معارك لا تنتهي.لذلك اتخذت قرارًا شخصيًا: أن أشتري راحتي.
أغلقت “فضاء الشرق”، وقررت أن أعتزل الضجيج والناس، وأن أبتعد عن الصراعات التي تستنزف العمر دون جدوى.
واليوم، أجلس في حديقة عامة قرب سكني، تحت نصب فني أحبه، أكتب حكايتي بهدوء، وأراقب الحياة وهي تمضي.
لقد تعلمت أن الراحة ليست في الانتصار على الجميع، بل في اختيار المعارك التي تستحق أن نخوضها.
دمتم بألف بخير









