![]()
ماذا نريد من جرس 2026؟
(3)
في خضم التحولات السريعة التي نشهدها، يبرز التعليم المهني بمعناه الجديد. فالمهن التي يحتاج إليها الاقتصاد لم تعد محصورة في الوظائف التقليدية. هناك البرمجة، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والروبوتات، والطاقة المتجددة، والتصميم الرقمي، وإدارة المنصات، وصناعة المحتوى، والخدمات التقنية وغيرها.
وهذا يعني أن المدرسة والجامعة مطالبتان بالتفكير في العلاقة بين التعليم وسوق العمل بطريقة أكثر مرونة. فالهدف ليس فقط أن يحصل الطالب على شهادة، وإنما أن يمتلك قدرة قابلة للتحويل إلى فرصة اقتصادية.
ومع ذلك، فإن الحديث عن التكنولوجيا يجب ألا يقودنا إلى نسيان الأساسيات.
فالذكاء الاصطناعي لن يعوض ضعف القراءة.
والجهاز اللوحي لن يعوض ضعف التفكير.
والمنصة الإلكترونية لن تعوض المعلم الجيد.
والتقنيات الحديثة لن تلغي أهمية اللغة والتاريخ والفلسفة والعلوم والآداب.
بل العكس، كلما ازدادت قوة التكنولوجيا، ازدادت حاجتنا إلى الإنسان الذي يستطيع أن يستخدمها بوعي. ولهذا فإن المدرسة التي نريدها في كوردستان خلال السنوات المقبلة ينبغي أن تجمع بين الهوية والمعرفة، وبين الأصالة والتكنولوجيا، وبين التعليم التقليدي والمهارات الرقمية، وبين التفكير العلمي والقدرة على الإبداع.
ومن هذه الزاوية، يصبح مقال مهند شوقي عن السنوات السبع الماضية نقطة مهمة للانتقال إلى سؤال السنوات المقبلة.
فما تحقق في بناء المدارس وتطوير المناهج وتأهيل الكوادر وتوسيع العملية التعليمية يمثل أساساً لا غنى عنه. لكن الأساس لا يكفي إذا لم نبنِ فوقه.
المرحلة الجديدة تحتاج إلى رؤية تعليمية تجعل الطالب أكثر استعداداً لعالم يتغير بسرعة.
نحتاج إلى مدرسة لا تعلمه كيف يحفظ فقط، وإنما كيف يفكر.
لا تعلمه كيف يستخدم التكنولوجيا فقط، وإنما كيف يفهمها.
لا تعطيه المعلومات فقط، وإنما تعلمه كيف يتحقق منها.
لا تجعله مستهلكاً للمحتوى، وإنما تمنحه القدرة على إنتاجه.
ولا تكتفي بإعداده للامتحان، وإنما تعده للحياة والعمل والمواطنة والمنافسة في عالم مفتوح.
في عام 2019 كان جرس المدرسة إعلاناً عن بداية عام دراسي.
وفي عام 2026 يحمل الجرس، بعد سبع سنوات من العمل والتطوير، معنى إضافياً.
إنه يذكرنا بأن بناء الإنسان مشروع لا ينتهي. وإذا كانت السنوات الماضية قد ركزت بدرجة كبيرة على بناء البيئة التعليمية، فإن السنوات المقبلة يمكن أن تركز بصورة أكبر على بناء القدرات التي يحتاجها الإنسان داخل هذه البيئة.
وهنا ربما تكون الخطوة التالية في قصة التعليم في كوردستان:
من بناء المدرسة إلى بناء العقل الرقمي.
ومن تحديث المناهج إلى تحديث طريقة التفكير.
ومن استهلاك المحتوى إلى صناعته.
ومن استخدام التكنولوجيا إلى فهمها.
ومن التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة إلى التعامل معه كتحول حضاري.
فالمدرسة التي تفتح أبوابها اليوم تستقبل أطفالاً سيعيشون في عالم مختلف تماماً عندما يتخرجون منها.
ولهذا فإن أفضل استثمار يمكن أن نقدمه لهم ليس فقط أن نضع في أيديهم كتاباً جديداً أو جهازاً حديثاً، بل أن نمنحهم القدرة على أن يسألوا، ويفكروا، ويتحققوا، ويبدعوا، ويحافظوا على هويتهم، ويصنعوا المحتوى، ويستخدموا التكنولوجيا بوعي، ويشاركوا في بناء اقتصاد ومجتمع المستقبل.
لقد قرع جرس 2019.
وقرع جرس 2026.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن نبدأ من الآن في الإجابة عنه:
أي جرس نريد أن نسمعه في 2030؟
فالمدرسة التي نبنيها اليوم ليست فقط مكاناً يتعلم فيه الطفل كيف يقرأ العالم.
إنها المكان الذي ينبغي أن يتعلم فيه كيف يصنع العالم الذي يريد أن يعيش فيه.








