![]()
لعل اقوى تحذير وجهته واشنطن للنائمين حتى الظهيرة من القادة الكرام ، هو انها رفعت الكارت الاحمر بوجه البلاد حكومة وشعبا ودولة موحدة على الخرائط، ملوحة ببلقنة العراق ، وهو مصطلح اكثر قوة ووضوح وشفافية من مصطلح التقسيم الذي تتعامل معه الطبقة السياسية الفاسدة في البلاد ككارت ضغط في مقاهي البرلمان والاعلام والجلسات السرية.
ارادت واشنطن ان تقول لنا جميعا ” لم يعد في القوس منزع ” والمناورات الزمنية لنزع سلاح الفصائل تسير الى هدف واحد ووحيد هو البلقنة التي ستسقط كل الشعارات الثورية والمغامرة بمستقبل البلاد !
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال بوضوح ، من أن إبقاء السلاح خارج سيطرة الدولة قد يدفع العراق نحو البلقنة وهي المرّة الاولى التي تتحدث بها اميركا ترامب بهذه الصيغة بمواجهة التلاعب بورقة الزمن من طرف واحد .
لماذا لم يستخدم روبيو مصطلح التقسيم ؟
الارجح انه أراد ان يقول لمن لايعي خطورة التقسيم ، ان الجولة الحالية هي جولة اعلان النتائج في حروب المنطقة وتداعياتها حتى على الجالس امام شاشات التلفزة مستمتعا بمبارة الرايال والبرشة !
واراد ان يحيلهم للتفتيش عن مصطلح البلقنة ودروسه القريبة وسيعرف من يقود سفينة البلاد ان البلقنة مصطلح سياسي وجغرافي يعني تجزئة وتفتيت دولة أو منطقة كبيرة إلى دويلات أصغر حجماً على اسس عرقية ودينية واثنية وقومية. وان الدرس الاقرب الى الذاكرة السياسية هي التجربة التي استخدام فيها المصطلح بقوة في تسعينيات القرن العشرين إبان تفكك دولة يوغوسلافيا وما رافق الدرس من حروب أهلية وتطهير عرقي أدت الى تفتت يوغسلافيا التي بلغت مساحتها قبل تفككها حوالي 255,804 كيلومتر مربع، ووصل عدد سكانها رسمياً عام 1991 إلى نحو 23.5 مليون نسمة وخرجت من خنادق الدم من دولة وحدهها تيتو الى ست دول هي ” سلوفينيا استقلت عام 1991، كرواتيا: استقلت عام 1991، البوسنة والهرسك استقلت عام 1992، مقدونيا الشمالية استقلت عام 1992، صربيا ،استقلت عام 2006 ، الجبل الأسود انفصلت وأعلنت استقلالها عن الاتحاد مع صربيا عام 2006 . أي ان بلقنة يوغسلافيا كانت ثمرة حروب اهلية وتطهير عرقي وخمسة عشر عاما مناوشات وتوترات حتى استكمل مشروع البلقنة كاملاً !
لم يكن وزير الخارجية يمزح وهو يستخدم مصطلح البلقنة ، استخدمها قبل الثواني الاخيرة لرفع الكارت الاحمر واطلاق شياطين الجن لتدمير كل شيء كما في شياطين الروائي الهندي سلمان رشدي بروايته ” سنتان وثمانية شهور وعشرون ليلة ” التي تعني الف ليلة وليلة قبل اطلاق حكايات الليلة الاخيرة الاكثر مأساوية ليس في التأريخ الموغل القدم وانما للمستقبل المنظور والممسوك بقفازات العصر الترامبي وغباء قادتنا الذي نتمنى ان نخرج من نتائجه باقل الخسائر !








