![]()
لم يكن انكماش الاقتصاد العراقي وتراجع الاستثمار منذ 2003 وليد اللحظة، بل جاء نتيجة أزمات متراكمة، في مقدمتها غياب الأمن، وضعف البيئة الحاضنة للمشاريع، وغياب الضمانات والتسهيلات التي يبحث عنها أي مستثمر. فجذب الأموال والشركات المنتجة يحتاج إلى استقرار، وإعفاءات كمركية وضريبية، وعقود واضحة، وصورة مطمئنة.
لكن الأخطر من ذلك أن العراق تحول خلال العقود الماضية إلى مستهلك ومستورد لأبسط السلع، في وقت يمتلك فيه موارد خام متنوعة وموقعاًاستراتيجيا وسوقا كبيرة. وبدلا من الاعتماد على الاستيراد، يمكنه أن يصبح منتجا ومصدرا بالتعاون مع شركات عالمية معروفة.
هنا تأتي أهمية الخطاب الذي حمله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الى برلين وباريس. فقد تحدث لأول مرة ومن أعلى موقع في الدولة بخطاب اقتصادي نابع من خبرة ودراية وافكار جاذبة، تخاطب الشركات ورجال الأعمال بلغة المصالح والضمانات، لا بلغة الشعارات فقد تحدث عن واقع العراق وشعبه وامكاناته وعرض امام المشاركين التسهيلات، والإعفاءات، وسرعة الموافقات والتأشيرات، والتعامل المباشر، والأرباح المضمونة. وهذا يشكل تحولا مهما في الرؤية الجديدة لتسويق العراق للعالم وتقديمه بما يجعله منطقة جاذبة للاستثمار لاسيما في بلدين مهمين في الاقتصاد والانتاج العالمي مثل ألمانيا وفرنسا ، بل يشكلان مركزان لشركات معروفة بحضورها وخبرتها. ففي ألمانيا تحضر مئات الشركات العملاقة مثل سيمنز في الطاقة والأتمتة، وشركات السيارات المعروفة كمارسيدس وBMW وفولسفاغن ، وبوش في التكنولوجيا. وباسف في الكيمياويات وتيسنكروب في الصلب والحلول الصناعية و وإليانز ودويتشه في التمويل والتأمين ، وفي فرنسا تحضر توتال إنرجي في النفط والغاز، وألستوم في النقل والسكك، وشنايدر إلكتريك في إدارة الطاقة. هذه الشركات لا تبحث عن سوق فقط، بل عن شريك مستقر وقانون واضح وعائد مضمون.
والعراق يملك ما يجعل هذه الشراكات ناجحة حيث يمتلك النفط والغاز والكبريت والفوسفات، والموقع الجغرافي والارض، ومشروع طريق التنمية وميناء الفاو والمناطق الصناعية واللوجستية. لكن قيمة الاستثمار لا تقاس بحجم الأموال الداخلة فقط، بل بما تنتجه من وظائف ونقل للتكنولوجيا، وتدريب للكوادر، وسلاسل توريد محلية، وتنويع للاقتصاد، وتقليل للاعتماد على النفط كمصدر اساس ،وهناك ما يكفل هذه الشراكات عبر إطار قانوني مشجع يجب تفعيله وهو قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 الذي يمنح إعفاء ضريبيا يصل إلى 10 سنوات، ويمتد إلى 15 سنة إذا تجاوزت حصة الشريك العراقي 50%، مع إعفاءات على استيراد معدات الإنتاج والمواد الأولية، وحق استئجار الأراضي الصناعية لمدة تصل إلى 50 سنة قابلة للتمديد، وحرية تحويل الأرباح إلى الخارج. لكن هذه المزايا تبقى ناقصة دون استقرار أمني، ومكافحة حقيقية للفساد، ونافذة واحدة للإجراءات، وقضاء نزيه. وحوكمة مالية وادارية.
ومن المنظور الإعلامي، فإن هذا الخطاب الذي قدم الزيدي يصنع صورة جديدة للعراق، لكن الصورة لا تبنى بالتصريحات وحدها، بل بالعمل والشفافية والإنجاز وإبراز المشاريع الناجحة. والإعلام الاقتصادي شريك في بناء الثقة وتسويق الفرص وكشف المعوقات.
العراق اليوم أمام فرصة مواتية وحقيقية للانتقال من دولة تستورد الصناعة إلى دولة تستضيفها وتنتج وتصدر. والشراكة مع أوروبا، وخصوصاً مع شركات ألمانية وفرنسية معروفة، يمكن أن تكون بوابة لنهضة اقتصادية شاملة. لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا تحولت مذكرات التفاهم إلى مشاريع مشتركة طويلة الأمد، تخلق قيمة داخل العراق وتمتد إلى المنطقة والأسواق الأوروبية. عندها فقط يصبح العراق شريكا منتجا ومصدرا لا مجرد سوق للاستيراد. وهو ما يتطلع اليه الشعب العراقي الذي ينتظر نهضة اقتصادية شاملة.







