بديع الكلمات …هل نعمل ضد ساعتنا البيولوجية؟

Loading

نمتار /بقلم حنان بديع

لطالما ارتبط الالتزام بالعمل بالاستيقاظ المبكر، وكأن الوصول إلى المكتب مع ساعات الصباح الأولى دليل على الجدية والانضباط والإنتاجية. لكن ماذا لو كان هذا النظام، الذي اعتدنا عليه لعقود، لا يتوافق تماماً مع طبيعة أجسامنا؟ وهل يمكن أن يكون بدء الدوام في وقت مبكر أحد الأسباب الخفية وراء الإرهاق المزمن، وضعف التركيز، وتراجع الأداء؟

سبق أن كان هناك تصريح لافت أدلى به الدكتور بول كيلي، الباحث المرتبط بدراسات النوم والإيقاع البيولوجي في جامعة أكسفورد، عام 2015، حين شبّه إجبار الموظفين على بدء العمل قبل الساعة العاشرة صباحاً بالتعذيب، في إشارة إلى الأضرار التي قد يسببها الحرمان من النوم للصحة والأداء. وقد أثار التصريح نقاشاً واسعاً حول العلاقة بين مواعيد العمل والساعة البيولوجية للإنسان، ومدى ملاءمة أنظمة الدوام التقليدية لاحتياجاته الفسيولوجية.

والحقيقة أن جسم الإنسان تحكمه منظومة داخلية تُعرف بالساعة البيولوجية، وهي المسؤولة عن تنظيم دورة النوم والاستيقاظ، تختلف أنماط النوم بين الأشخاص؛ ولا يتعلق هذا الاختلاف دائماً بالكسل أو ضعف الانضباط، بل قد يرتبط بالعوامل الوراثية والعمر ونمط الحياة والتعرض للضوء.

ومن هنا، فإن فرض موعد موحد لبدء العمل قد لا يناسب الجميع بالقدر نفسه، خصوصاً عندما يضطر الموظف إلى الاستيقاظ قبل اكتمال حاجته إلى النوم حتى يتمكن من الوصول إلى مقر عمله في الوقت المحدد.

تكمن أهمية تصريح كيلي في أنه يسلط الضوء على مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالنعاس في ساعات الصباح. فالنوم ليس ترفاً يمكن الاستغناء عنه لمصلحة العمل، بل ضرورة أساسية للحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية والقدرة على التفكير واتخاذ القرارات.

وعندما تتكرر قلة النوم نتيجة الاستيقاظ المبكر، قد تتراجع القدرة على التركيز والانتباه، ويزداد الشعور بالتعب والتهيج، كما قد تتأثر الذاكرة وسرعة الاستجابة. وعلى المدى الطويل، يرتبط الحرمان المزمن من النوم بارتفاع مخاطر عدد من المشكلات الصحية، بما فيها اضطرابات التمثيل الغذائي وأمراض القلب والأوعية الدموية.

وفي النهاية، تطرح هذه الفكرة علامة اتفهام حول مفهوم الإنتاجية ذاته، هل نريد موظفاً يصل إلى مكتبه في أبكر وقت ممكن، أم إنساناً يتمتع بصحة جيدة وذهن صافٍ وقدرة حقيقية على العطاء؟

ربما تكمن المشكلة، في ثقافة ترى الإرهاق ثمناً طبيعياً للنجاح، بينما تشير المعرفة العلمية إلى أن النوم الكافي ليس عائقاً أمام الإنجاز، بل أحد شروطه الأساسية.