![]()
في عام 1982، جاءت تالا، الفتاة البولندية الشابة، تعبر الحدود لا بجواز سفرها فقط، بل بقلبٍ ممتلئ بالشوق.
لم تكن رحلتها إلى العراق رحلة فضول، أو للاكتشاف، بل كانت رحلة عشق
فحبيبها، وهو بولندي مثلها، كان يعمل في مشروع طريق جنوب العراق، بين بغداد والناصرية.
عبرت القارات قاطعة كل هذه المسافات لتلقاه..تحمل في داخلها سنوات من الانتظار و الحنين، ورسائل لم تستلم، وحنينًا أراد أن يتحول أخيرًا إلى لقاء.لكن الطريق كان أقصر من حلمها، وأقسى من القدر.
حادث مفاجئ، وصمتٌ أنهى كل شيء..
ماتت تالا… قبل أن تصل
وقبل أن تراه
حبيبها، الغريب مثلها في هذا البلد، لم يحتمل أن تعود إلى حيث ما أتت فدفنها قرب مكان الحادث، تاركًا قلبه معها، لا جسدها فقط.
كان يأتيها كلما استطاع ، يجلس قرب قبرها، يحدثها، ويقرأ ما تبقى من رسائلهما بصوتٍ مكسور
يلتف حوله أطفال القرى القريبة، موجوعي القلب.
.. مضت الأيام
وانتهى عمله..
وغادر العراق..
وبقيت تالا وحدها
أو هكذا يُفترض
لكن ما لا يعرفه كثيرون..
أن العراقي، في طبعه، لا يترك الغريب وحيدًا
بل أحيانًا… يهتم بالغريب أكثر مما يهتم بنفسه
مر الناس على قبرها..
لا يعرفونها، ولا يعرفون قصتها،
لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا:
أن في هذا المكان إنسانة رحلت بعيدًا عن أهلها
زرعوا الٱس حول القبر، وسقوه بما تيسر عندهم من الماء
ووقفوا عند قبرها..
وقرأوا لها سورة الفاتحة،
ودعوا لها كما لو كانت ابنةً لهم:
“اللهم اغفر لها، وارحمها، واجعل مثواها الجنة”
لم يقفوا عند دينها؟
لأن القلب العراقي لا يحتاج إلى تفاصيل…
يكفيه أن يرى قبرًا ليقول: “هذه أمانة”
وطبيعتي جاءت من هناك، كلما مررت قرب مقبرة هنا، اقرا لهم سورة الفاتحة، وأرجو لهم الرحمة.
وهكذا لم تعد تالا مجرد قصة حبٍ توقفت عند الطريق..
بل أصبحت حكاية رحمةٍ بدأت من هناك
حبيبها البولندي أحبها…
لكن العراقيين احتضنوها بعد رحيلها
وبين حبٍ لم يكتمل..
وقلوب لا تعرفها لكنها دعت لها
بقيت تالا حيّة،
في أرضٍ لا تترك أحدًا غريبًا…حتى لو جاءها من آخر الدنيا
بقيت تالا هناك،
ليست مجرد اسمٍ على قبر،
بل حكايةٌ ذابت في تراب العراق
كأن هذه الأرض تعرف سرًّا لا نعرفه..
سرّ يجعلها تحتضن الغريب كما تحتضن أبناءها،
وتحوّل الموت إلى ذاكرة،
والوحدة إلى دعاء.
في العراق، تشعر بالحميمية، لا يبقى أحد غريبًا طويلًا..
فالأرض التي مرّت عليها حضاراتٌ لا تُحصى،
تعلمت كيف تحفظ الأسماء،
وكيف تردّ الغياب بالرحمة
ربما لهذا..
كان المارّون يقفون عند قبرها دون أن يعرفوا قصتها،
لكنهم يشعرون بها…
كأن التاريخ نفسه يهمس لهم:
“هنا إنسانة… مرّت من هذا الطريق”
العراق ليس مجرد مكان
إنه ذاكرةٌ حيّة،
وأرضٌ تعرف كيف تواسي،
وكيف تجعل من قبرٍ صغير… وطنًا كاملًا من الرحمة
وهناك اليوم
بين بغداد والناصرية،
تنام تالا بسلام،
لا كغريبةٍ جاءت ورحلت
بل كحكايةٍ كتبها الحب،
وختمها العراق
الرحمة والنور لتالا، ولأمواتنا جميعًا
دمتم بألف خير
سويسرا/ لوزان







