قراءة جنائية في مشروع بدائل العقوبات والتدابير السالبة للحرية قصيرة المدة في العراق     

Loading

                                 

   نمتار / الزهراء سالم جاسم

ليس كل سلبٍ للحرية عدالة كما أن كل بديلٍ للسجن ليس تساهلاً مع الجريمة،

وبين هذين الحدّين تتحرك السياسة الجنائية الحديثة باحثةً عن معادلة أكثر دقة بين حق المجتمع في الحماية وحق الدولة في العقاب وحق المحكوم عليه في الإصلاح وإعادة الاندماج.

ومن هذه الزاوية تكتسب مناقشة مجلس النواب العراقي لمشروع قانون بدائل العقوبات والتدابير السالبة للحرية قصيرة المدة أهمية تتجاوز حدود النص التشريعي ذاته.

لأننا أمام مشروع يفتح باباً لإعادة النظر في سؤال قديم طالما ارتبط بالقانون الجنائي:

هل السجن هو الحل لكل جريمة؟

إن مشروع القانون أُدرج على جدول أعمال مجلس النواب للقراءة الأولى في جلساته ضمن عام  2026 وهو ما يعني أننا أمام بداية المسار التشريعي للمشروع لا أمام قانون نافذ أو صيغة نهائية مكتملة.

وهنا تحديداً تبدأ أهمية النقاش..

العقوبة بين الردع والإصلاح

لم تعد العقوبة في الفكر الجنائي الحديث مجرد أداة لإيلام الجاني أو الانتقام من الفعل الذي ارتكبه.

فالعقوبة الحديثة تؤدي وظائف متعددة فهي تحقق الردع وتحمي المجتمع وتؤكد احترام القاعدة الجنائية وتسعى حيثما يكون ذلك ممكناً إلى إصلاح المحكوم عليه وتأهيله ومنع عودته إلى الجريمة.

ومن ثم فإن نجاح العقوبة لا يقاس فقط بمدى قسوتها وإنما بمدى قدرتها على تحقيق الغاية التي شرعت من أجلها.

وهنا تظهر مشكلة العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة..فقد يدخل المحكوم عليه المؤسسة الإصلاحية لفترة قصيرة لا تسمح في بعض الحالات بإخضاعه لبرنامج إصلاحي متكامل لكنه في الوقت ذاته يتعرض لآثار اجتماعية ومهنية وأسرية قد تمتد إلى ما بعد انتهاء العقوبة.

بل إن إدخاله في بيئة تضم محكومين بجرائم أشد خطورة قد يثير من منظور السياسة الجنائية تساؤلات حول مدى ملاءمة هذه العقوبة لشخص لم تبلغ خطورته الإجرامية المستوى الذي يبرر عزله عن المجتمع.

وهذه الإشكالية ليست غائبة عن النقاش العراقي فقد سبق لمجلس القضاء الأعلى أن ناقش فكرة استبدال بعض العقوبات السالبة للحرية بالغرامة وفق ضوابط محددة في سياق معالجة إشكالات العقوبات قصيرة المدة.

إذن القضية ليست جديدة وإنما الجديد هو محاولة الانتقال بها إلى إطار تشريعي أكثر تنظيماً.

 البديل ليس إفلاتاً من العقوبة

من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح أن يقال إن العقوبات البديلة تعني تخفيف العقوبة أو التساهل مع الجاني فهذا الفهم لا يعكس فلسفة العقوبات البديلة. العقوبة البديلة تعني أن الدولة لا تتخلى عن حقها في العقاب وإنما تعيد اختيار الأداة العقابية الأكثر ملاءمة في الحالات التي يسمح فيها القانون بذلك.

فإذا كان الهدف من العقوبة حماية المجتمع ومنع العود إلى الجريمة وإصلاح المحكوم عليه فليس من الضروري أن يكون سلب الحرية هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذه الأهداف في جميع الحالات.

ومن هنا يمكن أن تتعدد البدائل بحسب ما يقرره المشرّع لتشمل صوراً مثل العمل للمنفعة العامة أو المراقبة أو بعض الالتزامات والقيود أو الغرامة في الحالات التي يسمح بها القانون وغيرها من التدابير التي يمكن أن تحقق الغرض العقابي دون اللجوء إلى الإيداع في المؤسسة الإصلاحية،وقد سبق أن طُرحت في العراق رؤية قانونية تتناول الانتقال من السجن قصير المدة إلى خدمة المجتمع باعتبارها إحدى صور إعادة النظر في فلسفة العقوبة.

لكن السؤال الأهم يبقى:

هل كل محكوم عليه صالح للاستفادة من البديل؟

والجواب ينبغي أن يكون: لا…العقوبة البديلة لا تصلح للجميع

إن تطبيق العقوبات البديلة بصورة سليمة يفترض أولاً الاعتراف بحقيقة أساسية في علم الإجرام والسياسة الجنائية:

المجرمون ليسوا سواء والجرائم ليست سواء والخطورة الإجرامية ليست واحدة

فالجريمة التي تنطوي على درجة عالية من الخطورة الاجتماعية لا يمكن أن تعامل بالضرورة بالطريقة نفسها التي تعامل بها جريمة محدودة الخطورة.

كما أن شخصاً ارتكب جريمة لأول مرة يختلف من حيث الظروف الجنائية عن شخص اعتاد ارتكاب الجرائم . ولهذا فإن نجاح التشريع المرتقب يتوقف بدرجة كبيرة على دقة معايير الاستفادة من البدائل، فإذا كانت المعايير واسعة بصورة مفرطة فقد يفقد الجزاء الجنائي جانباً من وظيفته الردعية ، وإذا كانت ضيقة بصورة مفرطة فقد يصبح القانون مجرد نص محدود التطبيق لا يحقق الغاية التي شرع من أجلها.

وبين الإفراط والتفريط ينبغي أن يبحث المشرّع عن نقطة التوازن:

هل تتحول العقوبة البديلة إلى امتياز مالي؟

إذا كانت الغرامة إحدى صور البدائل فإن هناك إشكالية لا يمكن تجاوزها تحت أي عنوان:

هل يستطيع الغني والفقير تحمّل العقوبة المالية بالقدر نفسه؟

فالمبلغ ذاته قد يمثل عبئاً بالغاً على شخص محدود الدخل بينما لا يمثل الأثر نفسه على شخص ميسور.

ولهذا فإن تحويل العقوبة السالبة للحرية إلى مبلغ مالي من دون مراعاة القدرة المالية للمحكوم عليه قد يخلق بصورة غير مباشرة تفاوتاً في الأثر الحقيقي للعقوبة،وهنا تظهر ضرورة أن تكون البدائل متعددة لا أن ينحصر مفهومها في الغرامة،

فخدمة المجتمع، والمراقبة، والبرامج الإصلاحية، والالتزامات القضائية، وغيرها من البدائل، يمكن أن تمنح المشرّع والقضاء مساحة أكبر لتحقيق تفريد العقوبة.

وهذا يقودنا إلى مبدأ جنائي بالغ الأهمية:

المساواة أمام القانون لا تعني بالضرورة تماثل العقوبة في أثرها وإنما تقتضي أن تكون المعاملة القانونية قائمة على معايير موضوعية ومبررة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في نظام العقوبات البديلة هو أن يتحول البديل إلى إجراء آلي فالقاضي، بوصفه صاحب الاختصاص القضائي ينبغي أن تكون أمامه معايير واضحة تساعده في تحديد مدى ملاءمة البديل.

ومن الضروري أن يكون التشريع واضحاً في تحديد:

من يستفيد؟ ومن يُستثنى؟ ما الجرائم المشمولة؟ما الحد الأقصى للعقوبة التي يمكن استبدالها؟ وهل يمتلك العراق البنية التنفيذية اللازمة؟ وهذا السؤال ربما يكون الأهم، فالتشريع يمكن أن يقرر عشرات البدائل لكن نجاحها يتوقف على وجود مؤسسات قادرة على تنفيذها.فالقانون لا يعيش في النصوص وحدها بل يعيش في التطبيق، ولأن المرحلة التشريعية هي أفضل وقت للنقد العلمي قبل أن يصبح النص قانوناً.

كلمة أخيرة إلى المشرّع هنا في بلدنا

إن العراق لا يحتاج إلى عقوبات أكثر عدداً بقدر ما يحتاج إلى عقوبات أكثر دقة

ولا يحتاج إلى سجون أكثر بقدر ما يحتاج إلى سياسة جنائية أكثر قدرة على تحديد من يجب أن يُسلب حريته ومن يمكن إصلاحه بوسيلة أخرى.

وإذا كان مشروع بدائل العقوبات والتدابير السالبة للحرية قصيرة المدة يمثل محاولة للانتقال من فلسفة العقوبة التقليدية إلى فلسفة أكثر ارتباطاً بالإصلاح وإعادة الإدماج فإن نجاحه سيبقى مرهوناً بمدى وضوح النص ودقة الاستثناءات وتعدد البدائل وضمانات المساواة والرقابة القضائية والأهم من ذلك كله: وجود جهاز تنفيذي قادر على تحويل النص من حبر على ورق إلى سياسة جنائية قابلة للتطبيق.

إن السجن ليس شراً مطلقاً كما أن البديل ليس خيراً مطلقاً لكل منهما موضعه.

لكن العدالة الجنائية الناضجة هي التي تعرف متى تستخدم السجن ومتى تستبدله ولماذا تستبدله وكيف تضمن أن يكون البديل عقوبة حقيقية لا إفلاتاً من العقاب

وفي النهاية ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه:

“هل نؤيد العقوبات البديلة؟”

بل السؤال الأكثر مهنية وعمقاً:“هل صممنا العقوبة بحيث تحقق العدالة وتحمي المجتمع وتمنع العود إلى الجريمة؟”

فحين يصبح هذا هو معيارنا نكون قد انتقلنا من مجرد التفكير في عقوبة الجاني إلى التفكير في مستقبل المجتمع بعد العقوبة.

وهنا تحديداً تبدأ فلسفة العدالة الجنائية الحديثة…