الخائن الواعي

Loading

نمتار / د . مزهر الخفاجي                                          

كثيراً ما أدقّق في مقولات المُشتغلين بالفكر بالمعرفة، خاصة أولائي الذين يقولون :

” مِنْ أنَّ الوعي يستيقظ”

    كيف يجوز ذلك للذين يصبح لديهم الوعي لعنة لا نعمة، فحين يُغلق هذا المثقف عليه الباب سيتحوّل وعيه الى سجن يعيش فيه كل يوم.

 عندها يعاني العقل والوعي والضمير اقسى أنواع العذاب حين يستثمر في الامكنة الخاطئة.. خاصة حين يخون أهل الوعي وعيهم عندما يخدعون أنفسهم او يسخروه لخدمة الباطل او تماهي مع نزق المتعة ، ذلك باقناع انفسهم انهم حين يوظفون الوعي .. بامكانه ان يوصلهم للموقع الذي يتمنون او يطمعون به.. اولئك هم الذين نعرفهم انهم يسرقون ويغشون ويكذبون فضلا عن سعيهم وراء الله كما يقول المفكر ( سورين كير كفارد).

” إنها نفوس تعانق الكذب والغش وأبشع صنوف الظلم.. ثم تستفيق في لحظةٍ ما لترفع عينها الى السماء تستنطق الخلاص وتُلقي بنظرها في لجّة ( الجاه والمنصب) علّها تحضى بنقطة ضوء تنير هذه العتمة ( استعادة هذا الوعي).

  ان مفهوم استيقاض الوعي من استمرار اللجّة في الوصول الى السلطة لذلك يحاول البعض منّا استعادة وعيه.. علّهُ  ينير الدرب للأخرين او يمارس وعياً وطنياً قد يجلبُ  الخلاص.

نعم… نحنُ، وأقصد  الواعون المشتغلون او الموغلين بمفاصل السلطة.. نعتقدُ اننا حين نستعيد الوعي او الاستيقاظ من نشوة السلطة وزبائنيتها  نوقف ذلك التوتر الجوهري في دواخلنا.. لأننا نَعي قصورنا عند اشتداد الوعي، ومن ثم نشهد على انفسنا حين ننجر وراء شهوات تفقدنا وعينا وتجعلنا نبحث عن ملامحنا الانسانية.

     ولا نذهب بعيداً حين نقول، ان العقل البشري وما يملكه من وعي يمثّل قيمة عُليا في الحياة. هذا العقل الواعي قد يمتلكه جميع الناس.. هذا الامر هو الذي وعاه الفيلسوف ديكارت مما دعاه الى ان يقول:

” العقل أعدل الأشياء، قسمة بين الناس”

    ثم حذّر ديكارت، مِن أنّ كل الاخطاء التي نعيشها من ظلم وقهر ودَمار وحِصارات وحروب.. إنما تعود الى لاسائتنا استخدام هذا العقل الواعي ؟..

” وليس من الأداة!!. ويقصد “العقل نفسه.

نعم… ( الاوطان لا تنهار) كما يقول ( جيفارا). فالاوطان لا تنهار عندما يقّل الخير… بل عندما يصبح الشَرْ المغلف بالوعي  هو المعيار، وعندما يُقدّم الجاهل على العالِم.. وعندما يخون العالِم الواعي قِيَمَهُ ومبادئهُ.

 اجل تسقط الاوطان عندما تسقط القِيَمْ، التي يُشكلّها الوعي!!. هنا لا يعود هذا السؤال بريئاً: متى يسقط الوطن؟. لا بل مَن بقيَ في هذا الوطن… يستحق النجاة؟؟. وان فكرة عودة الوعي ولو بعد حين.

  لا تعترض التجريب بالذكاء او استغلاله في خداع عباد الله، إذ ليس كافياً ولا مقبولاً حين يكون لك عقلاً واعياً متدفقاً ، فالمهم ان تستخدمه جيداً… هذا الامر هو الذي جعل المتماهين في التفريط بالوعي أو المنافقين لعظمة اهميته في بناء الشخصية وارساء النظام في مجتمعاتنا.

    حتى يبدو الوعي في بعض لحظاته أو حين لا يستمر في المكان الصحيح وكأنه فائض مؤلم لا تعرف الطبيعة وحق الانسان المتماهي مع ( اللذة) ماذا يفعل به؟

           لذلك يسعى  الفرد الواعي  الى حماية وعيه والى الى خلق آليات دفاعية تُضيق انتباهه وترسم شكل من اشكال الغشاوة او عدم المبالاة للذي يحيط به من مشاكل وآلام وحاجات للناس.

   وحيناً يظن هذا الفرد الواعي الخائن  انه اتقن فن اللامبالاة عمّا حوله يضيق هذا الفرد انتباهه عمّا يجري ويُشعِر الآخرين انه منشغل بالعمل ويخلق لوعيه المتكاسل هذا اهدافاً عاجلة.. أو يذوب في جماعة تمنحه شعوراً من انه جزءاً من قطعة اكبر.

     وان وعيه قد لا يكون فاعلاً من دونها،… لكن في ظل هذا الغموض، وغياب البصيرة عند الواعي ” الذي نتمنى.”

    والمأساة هنا. ونقصد عند اللذين يستغلون او يخونون وعيهم في صُنع ذوات غير ذواتهم التي تمثّل عمق المأساة.. وهنا.. ونقصد عند انصاف الواعين.. ان الوعي لا يستطيع ان يعود الى براءته الاولى.

   ولا يستطيع ايضاً أن يعيش مكشوفاً أمام كل ما يعرفه.. وفي النهاية يصبح مقبولاً ان نقول:

” مِن ان الحياة لا يمكن فهمها.. إلا بالعودة الى الوراء.. لكنها في نفس الوقت لا يمكن أن تُعاش إلا الى الأمام” ان الحفاظ على مقدمات الانسان الواعي لايعفيه من الغفلة وان استيقاظ هذا الواعي بوعيه ..قد يُجنبه خيانة لاترحمهُ فيها لا السماء ولا الارض.

  فالانسان لا يدرك معنى تجاربه واخطائه، وهو يعيشها، وإنما تنكشف له حقيقتها بعد ان تصبح جزءاً من الماضي بعد أن تخلط الوعي مع التجربة، فالاخطاء التي تندم عليها والخيبات التي كسرتنا، والطرق التي لم نسلكها ايغالاً منّا بالعيش بالحاضر المُتصالح مع اهوائنا والمُنافي لوعينا.

       والغريب ان الواعين يعرفون ان الحياة لا تمنحنا فرصة لتصحيح اخطائنا لأنها أسَّسَت لقانون الغاب او أستهوته القوة او ظلمت الكثيرين من اللذين تمسكوا بأذيال وعينا، وعقدوا الذمة مع خيلاء شعاراتنا في العيش الكريم والحرية والكرامة الانسانية…