![]()
ليس لأننا نريد تحطيم كل شيء، بل لأن أشياء كثيرة من حولنا طال بقاؤها حتى نسينا أن نسأل إن كانت تستحق البقاء أصلا.
كان نيتشه يقترح أن نتفلسف “بالمطرقة”: أن نطرق على الأصنام لنختبرها، أن نصغي إلى الصوت الذي تصدره القيم حين نضعها تحت السؤال، وأن نكتشف كم من “الحقيقة”ليس سوى عادة قديمة اكتسبت حصانة من النقد.ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذه المطرقة.
نحتاجها حين تتحول التقاليد من اختيار ثقافي إلى سلطة على الأجساد والحريات. ونحتاجها حين يستدعى الدين لا لإغناء الضمير والأخلاق، بل لإغلاق النقاش ومنح بعض الآراء حصانة من السؤال. ونحتاجها في السياسة، حين تتحول الشعارات إلى بديل عن البرامج، والانتماء الحزبي إلى ولاء يجعلنا ندافع عن الخطأ فقط لأنه صدر عن “جماعتنا”.
نحتاجها أيضا أمام مفاهيم نرددها كثيرا: المصلحة العامة، الهوية، الأخلاق، الاستقرار، الأصالة، الإرادة الشعبية…لا لكي نرفضها مسبقا، بل لكي نسأل:من يحدد معناها؟ ومن يتحدث باسمها؟
ومن يستفيد حين تصبح كلمات نهائية لا تقبل النقاش؟ ومن يدفع الثمن حين تتحول إلى مبرر للصمت أو الإقصاء؟
المطرقة هنا ليست دعوة إلى الهدم، بل إلى التحرر من عبادة الأفكار. فليست المشكلة أن تكون لدينا قيم، بل أن تتحول القيم إلى أصنام. وليست المشكلة أن تكون لدينا قناعات، بل أن نخاف إخضاعها للامتحان. وليست المشكلة ايضل في الإيمان بفكرة، بل في أن يصبح السؤال عنها جريمة.
ربما لا نحتاج اليوم إلى مزيد من اليقين، ربما نحتاج إلى شجاعة أكبر في الشك. أن نطرق على ما يبدو صلبا……أن نسأل عما قيل لنا إنه غير قابل للسؤال……وأن نحتفظ بما يصمد أمام النقد، لا بما يعيش فقط لأننا نخشى الاقتراب منه.
نعم، نحن بحاجة إلى مطرقة نيتشه…لا لنهدم العالم، بل لنعرف أولا كم من الأصنام تسكن رؤوسنا قبل أن نبحث عنها في الخارج.









