ليبيا أمام اختبارٍ جديد

Loading

نمتار / د. ناصر زيدان

قد تكون الفرصة مُهيئة لفتح صفحة جديدة أمام الإختناق الأمني والسياسي والمالي الذي تعيشه ليبيا منذ ما يزيد عن 15 عام، ذلك أن تفاهُم (4 + 4) الذي أُبرم نهاية آب/أغسطس الماضي بين ممثلين عن حكومة طرابلس وممثلين عن قائد الجيش الوطني المُشير خليفة حفتر؛ مُهيأ فعلياً لأن يُترجم على أرض الواقع، بعد أن حصل على تأييد الأمم المتحدة ممثلةً بالمبعوثة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه، وباركه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية السفير بولس مسعد.

تفاهم (4 + 4) تضمَّن مجموعة من البنود التي تتعلق بتنظيم العملية الانتخابية (الرئاسية والبرلمانية) خلال العامين القادمين، وفقاً للقانون رقم 28 للعام 2023 بالنسبة للرئاسة، وفيه سماح للعسكريين ولمزدوجي الجنسية بالترشُح لمنصب الرئاسة، بشرط التخلي عن الجنسية الأخرى قبل أداء اليمين. أما الانتخابات التشريعية، فقد تمَّ الاتفاق على أن تجري وفقاً للقانون رقم 10 للعام 2014. على أن تتولَّ المفوضية العليا للإنتخابات الاشراف عليها، بعد تعيين مجلس إدارة لهذه المفوضية. كما تمَّ التفاهم على أهمية توحيد المؤسسات السيادية الدستورية، كذلك إدارات الدولة ومرافقها المالية والاقتصادية.

مجلس النواب وافق في جلسة عقدت في طبرق شرق البلاد على التفاهُم، بينما المجلس الأعلى للدولة رفضه، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي لم يُرحب به. ولهذه المواقف تداعيات مُتعددة، ولها دلالات مختلفة، وقد يكون هناك خشية للمعترضين من توافق غير مُعلن حصل بين أطراف تفاهم (4 +4) في طرابلس وبنغازي على تقاسم أهم مراكز السلطة في المرحلة اللاحقة، كأن يتولَّى الفريق أول صدام خليفة حفتر نائب القائد العام للقوات المُسلحة منصب رئيس المجلس الرئاسي، ويبقى عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة الوحدة (على سبيل المثال).

وبالترافق مع هذه التطورات؛ حصل ما لم يكُن بالحسبان، حيث انتخب مجلس النواب الشرعي والمُمدَّد له منذ العام 2014 رئيساً جديداً للمجلس، بدلاً من الرئيس السابق عقيلة صالح، والدوافع لهذا التبديل قد تكون مرتبطة بمجرى الأحداث. والرئيس الجديد المهندس الصالحين عبد النبي قد يكون أكثر حماسةً لتنفيذ تفاهم (4 + 4) من سلفه. ورغم الاعتراضات التي حصلت على عملية الانتخاب التي لا يُشير اليها النظام الداخلي – كما قالت الأقلية المعترضة على التبديل – حصل الرئيس الجديد على اعتراف من الهيئات الدولية، وبارك له مستشار الرئيس دونالد ترامب بولس مسعد، وحكومة طرابلس تلقت النبأ بإرتياح، لأنها تنتظر من عبد النبي تعاوناً أكثر فعالية، وهو من مؤيدي التوافقات الجديدة.

المساعي الأممية بدأت تعمل على تذليل الصعوبات من أمام التفاهُم الجديد، والسفيرة هانا تيتيه تعمل على إقناع الفرقاء بإجراء بعض التعديلات الطفيفة على التفاهُم بما يرضي المجلس الرئاسي. ورئيس مجلس الدولة محمد تكالة وجه رسالة لممثلة الأمين العام للأمم المتحدة، ضمنها موقف المجلس، والطلبات التي يرغب بتحقيقها، ومنها تعديل بعض القوانيين التي أقرها مجلس النوب، كما إدخال تعديلات على اتفاق آب/أغسطس.

ليبيا التي أصابها الوهن السياسي منذ ما يقارب 15 عام، دفعت ثمناً غالياً للصراعات الدائرة، والانقسام في مؤسسات الدولة، كاد يُهدد بإنقسام البلاد. والقطاع النفطي الذي كان يُنتج ما يزيد عن خمس ملايين برميل باليوم، تهالك، وتراجعت عائدته على شاكلة مؤلمة، والشعب الليبي يعاني من أوضاع معيشية صعبة جداً، وموظفي الدولة يطالبون بزيادة الأجور التي تكاد لا تكفي لسدّ الحاجات الحياتية اليومية، وقد نفَّذ المعلمون أضرابات متتالية من أجل تحسين أوضاعهم المالية، والمدارس والجامعات، كما القطاع الطبي في تراجع كبير، والخدمات في أدنى مستوياتها، رغم غنى ليبيا بالثروات النفطية والزراعية والبحرية.

التدخلات الخارجية تلعب دوراً في حالة الفوضى التي تعيشها ليبيا، وهناك آجندات لقوى مؤثرة تحاول تنفيذ مآربها على حساب المصلحة الوطنية، وبعض الاتفاقات التي حصلت في السنوات الماضية، لم تراعِ القوانيين المحلية والدولية، بما في ذلك المعاهدات التي أبرمت حول الثروات البحرية، ولم تحصل على موافقة السلطة التشريعية.

الولايات المتحدة الأميركية تعطي اهتماماً خاصاً لمسار التسوية، والرئيس ترامب كلف مستشاره للشؤون الافريقية بمتابعة الجهود لتوفير أرضية مناسبة للحل، تحفظ وحدة ليبيا، ولكن الجهود الأميركية غير منسقة مع الجانب الأوروبي الذي يتأثر سلباً بالفوضى القائمة، لأن تهريب الأشخاص خلسة الى دول الاتحاد يأتي من البوابة الليبية بمنسوبٍ عاليٍ، مما يشكل ضرراً وازناً على القارة، بينما لدول الاتحاد مصالح نفطية حيوية مع ليبيا تضررت كثيراً في السنوات الماضية.

وعلى الجانب الآخر؛ فهناك مصالح كبيرة لروسيا في البلاد، ومنها اعتماد موسكو على الموانئ الليبية كمحطات عسكرية مهمة على شواطئ القارة السمراء، وقد نقلت عدد كبير من تجهيزاتها من طرطوس واللاذقية السوريتين الى مدينة بنغازي الليبية بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، كما أن تسليح القوات الليبية ما زال يعتمد على الصناعة العسكرية الروسية.