![]()
شاعر بين الصحفيين
بحبر / رئيس التحرير
يرى ابن رشد «الأندلسي» بأن الشعر أكثر حظًّا من الفلسفة، وأسمى مكانة من التاريخ، فيما يرى ويعتبر «ألبير كامو» الصحفيَّ مؤرخًا للحظة، كونه يشكّل اللبنة أو المادة الأساسية للتاريخ/ التدوين/ الرواية/ القانون/ السوسيولوجيا/ السيكولوجيا/ كذلك التربية والدين والأخلاق.
من هاتين النافذتين أودّ أن أطلّ على تجربتي في الكتابة، تلك التي بدأت بالشعر، وأنا لم أزل طالبًا في المرحلة الإعدادية، ولم أكن قد أعددت نفسي وأدواتي، بالمرّة، لخوض غمار مثل هذه التجربة، لا بل كتابة الشعر للأطفال – على وجه الدقة والتحديد – من دون أدنى تخطيط أو ملمح من تفكير، والذي كان قد مهّد – فيما بعد – للدخول نحو محراب الطفولة وعوالمها الشقية والمرحة والمعقّدة – على حدّ سواء – كون الكتابة للأطفال أصعب بكثير جدًا من الكتابة للكبار.
تتوارد إلى ذهني مقولة «ليو تولستوي» التي أفاد بها متفاخرًا بأنه سعيد بما فيه الكفاية حول كتابته قصصًا للأطفال أكثر من كتابة روايته الأشهر في عالم السرد «الحرب والسلام».
شاء أن تكون أولى محاولاتي قد جاءت على شكل رهان جرى مع صديق وقريب من عائلتي، تحدّاني حينها – في العام 1977 – وفزتُ بالرهان عبر نشر قصيدتي «السحابة الماطرة» في الصفحة ما قبل الأخيرة من مجلة «مجلتي»، التي كانت تصدر عن دار ثقافة الأطفال في العراق؛ تلك الصفحة المخصّصة لأشهر وأكبر الشعراء المعروفين – آنذاك – أيام كانت المجلة شهرية منذ تأسيسها في العام 1969، قبل أن تتحوّل إلى أسبوعية بداية الثمانينيات.
رافق نشر قصيدتي، أيام لم أكن قد زرت مبنى الدار في منطقة الوزيرية، لوحة مائية مدهشة وبارعة للفنان عبدالرحيم ياسر، رسّام الأطفال وأحد أكبر رسّامي الكاريكاتير في العراق والوطن العربي.
ما يهم أنني بدأت الكتابة مصادفة، سواء أكان ذلك للأطفال أم – فيما بعد – للكبار. ذكرتُ ذلك في عدّة لقاءات مرئية ومكتوبة، وها أنذا – هنا – أعيد ما أوردتُ، بغية الوصول إلى ما أنا عازم على الخوض فيه، بعد تناوب عملي اليومي والفعلي والمهني في رحاب الصحافة بكافة عوالمها وانشغالاتها، سواء أكان في الصحف أم في شاشات الفضائيات، جنبًا إلى جنب مع ملكوت الشعر بتحليقاته وتهويماته وجنوناته الأليفة.
وإن كنتُ – للآن – أميل للصحافة وأعتبرها الرجل الثابتة، وبقية المجالات والاحترافات الأخرى هي رجلي المتحركة، نلتُ ما نلتُ في الصحافة من إشادات وتكريمات، كذا الحال في حضرة الشعر.
ففي الوقت الذي يراني فيه البعض من زملائي الصحفيين «شاعرًا»، يقابلهم من الشعراء من يرون فيّ «الصحفي»، وما بين هذين العالمين أجدني معلّقًا من جفوني في أنظار الكثير ممن جمعوا وأبدعوا في الشعر والصحافة على قدم وساق.
أسوق، من باب التذكير لا المقارنة مع هؤلاء العباقرة، أسماء من طراز «غابرييل غارسيا ماركيز/ إرنست همنغواي/ تي. إس. إليوت» وغيرهم الكثير من أدباء وكتّاب العالم، من الذين عملوا في الصحافة وأبدعوا في الرواية والشعر، بل ونالوا جائزة «نوبل».
وفي خضم خوضي غمار هذه المنازلة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، بعد أن وجدتُ من يداني ويقترب من ضفاف سؤالي وأمواج حيرتي بهذا التداخل، في علاقة الشاعر «إبراهيم ناجي»، الذي غنّت له كوكب الشرق أم كلثوم، من ألحان العبقري رياض السنباطي، قصيدة «الأطلال»، وهي القصيدة الأولى والوحيدة من مجموع أعماله الكاملة التي أصابها سحر وسرّ الحظ، الذي أعطى واسع الشهرة لهذا الطبيب، الذي لم يكن موفقًا جدًا – بحسب ما يُعرف ويُشاع – في مجال مهنته، حتى قيل بحقه:
«طبيب بين الشعراء.. وشاعر بين الأطباء»
والعهدة على القائل!
ح. ع. الحميد









