![]()
كلمة المفكر العراقي د. عبد الحسين شعبان في احتفالية صدور وتوقيع كتابه “هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية” في عمّان.
حين أضع هسهسات الضوء في هذه الأُنطولوجيا،وهي علم ما بعد الوجود بمعناها الميتافيزيقي، فذلك احتفال بالثقافة، وكل حديث عن الثقافة والمثقفين هو حديث إبداع وابتكار وليس حديث تكرار واجترار، حديث تجديد وتغيير وليس حديث جمود ونمطية.
”تلك هي الوردة فلنرقص هنا”، فالوردة تعني رودس أي جزيرة الورد كما اقتبسها الفيلسوف هيغل عن الميثولوجيا الإغريقية في كتابه “فلسفة الحق”، وهو ما أخذه عنه ماركس في كتابه “الثامن عشر من برومير– لويس بونابرت”، ووضعه الروائي أمبيرتو إيكوعنوانًا لروايته “اسم الوردة”، وفعل الروائي والإعلامي الأردني أمجد ناصر ذلك، حين أطلق على روايته “هنا الوردة”، وسبق لي أن جئت عليه في كتابي عن الشخصية العروبية البحرينية عبد الرحمن النعيمي الموسوم “الرائي والمرئي وما بينهما”. تلك هي صيحة الثقافة وهي صيحة الحياة ذاتها بما تمثّل منمعنى وجمال وامتلاء ودلالة.
في هذه الاستعادة، وإن كان فيها شيء من النستولوجيا، ففيها أيضًا استعادة لجزءٍ من خريطة طريق شائك ومعقّد وطويل، عبرته بين السؤال والكتابة وبين حلم وآخر وبين خيبة وأخرى وبين ما أردته وما آلت إليه الأوضاع.
حاولت أن أعطي للضوء صوتًا. إنه هسهسة تسبقه وبالكاد نسمعها، ولكننا نشعر بها في أعماق أرواحنا، فالضوء لا يأتي دائمًا باهرًا، لكنه يتسلّل أحيانًا من شقوق العتمة.
ولعلّ الثقافة العراقية بما تختزنه من إبداع وأحلام وآلام وعذابات وجمال هي من أكثر الثقافات التي تعرف معنى الضوء المنْبثق من قلب الظلام، فمنذ سومر وبابل ومرورًا ببغداد العباسية وصولًا إلى عراقنا المعاصر، ظل المثقف العراقي يبدع ويبتكر أولًا كي لا يْهزم، وثانيًا ليستعيد ذاكرته كي لا يصبح أسيرًا للنسيان.
لقد تعلمتُ من خلال تجربتي الفكرية والثقافية والسياسية أن الإنسان هو الأصل، عنوان كتاب صدر لي قبل ما يزيد عن ربع قرن من الزمن ، فالإنسان هو القيمة العليا وإن الأفكار والأديان والأيديولوجيات والأنظمة السياسية ينبغي أن تكون في خدمته، وأن تُعلي من حريّته وكرامته، وتلك الشروط الأولية للإبداع ولإنسانية الإنسان.
حاولت أن أمسكَ في هسهسات الضوء بالخيط الرابط للمبدعين بغض النظر عن انتمائهم الفكري أو أصولهم الاجتماعية أو قومياتهم أو أديانهم أو لغاتهم أو أجناسهم، من خلال بحث في سوسيولوجية الثقافة والمثقفين وفي أنثروبولوجيتهم، فهؤلاء باختلافهم وتمايزهم يمثلون العراق، الذي هو بالنسبة لي أكبر من دولة وأوسع من مجتمع وأبعد من تاريخ.
إنه السؤال المفتوح على الإنسانية والحريّة والكرامة والذاكرة، وهذه الأخيرة ليست ماضيًا مضى بقدر ما هي حوار مستمر بين ما كان وما ينبغي أن يكون، في إطار مونولوج داخلي بيني وبين نفسي وبيني وبين الآخر بحثًا عن الجمال والحقيقة والسلام والمساواة والعدالة.
تلك هي روح العراق التي تترفّع عن انقساماته وجزره المتباعدة التي تبحث عن الجوامع والمشتركات لتعلي من شأنها وعن الفوارق والاختلافات لتقليصها واحترامها وصولًا إلى جادة الثقافة التي تربط بين الجميع على اختلافاتهم، مقرّبةً المسافات بينهم.
الكتاب ليس ملكًا للكاتب فحسب، فالقارئ شريك به منذ اللحظة التي يغادر فيها المطبعة ويرى النور، حيث تزدحم الأسئلة بحثًا عنه وتدور في فلكه، فبلادنا بحاجة إلى ضوء لا يسبب حريقًا وإنما يكشف ولا يمحي ويجمع ولا يفرّق، هو ضوء يرى فيه الإنسان الآخر كما يرى نفسه.
ويبقى النقد وظيفة المثقف، ويظل السؤال مستمرًا، خصوصًا حين يسود اليقين الأعمى في زمن يزداد فيه التهافت وتتفشّى الترّهات وتتفتّت الهويّات، فيصبح السؤال مسؤوليةً وشجاعةً، وهذه الأخيرة فضيلة من فضائل القلب.
شكرًا لهذا الحضور البهي وشكرًا للثقافة التي علمتني أن الضوء قد يبدأ بهسهسة خافتة في قلب العتمة، أو بكلمة تقاوم الصمت مصحوبة بعلامة استفهام.









