الردع في عصر الذكاء الاصطناعي…الردع متعدد المجالات : المفهوم والخصائص وآليات العمل (4)

Loading

نمتار / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي

 إذا كان الانتقال من العمليات متعددة المجالات إلى الردع متعدد المجالات يمثل تحولًا من المستوى العملياتي إلى الاستراتيجي، فإن تحديد مضمونه يقتضي تجاوز النظر إليه باعتباره مجرد إضافة مجالات جديدة إلى الردع التقليدي. فجوهر المفهوم لا يتمثل في جمع الردع السيبراني والفضائي والإلكتروني والعسكري تحت تسمية واحدة، وإنما في دمج القدرات المتاحة للدولة في منظومة تستطيع التأثير في حسابات الخصم عبر مجالات مختلفة ومترابطة.

ويمكن، لأغراض هذا المقال، تعريف الردع متعدد المجالات (Multi-Domain Deterrence) بأنه: منظومة استراتيجية متكاملة تهدف إلى منع الخصم من القيام بفعل غير مرغوب فيه، من خلال توظيف القدرات العسكرية والسيبرانية والفضائية والإلكترونية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية، منفردة أو مجتمعة، بما يقنعه بأن عمله لن يحقق أهدافه، أو أن الكلفة التي ستترتب عليه ستفوق المكاسب المتوقعة منه.

ولا ندعي أن هذا التعريف يمثل نظرية مستقرة ومكتملة في الأدبيات الاستراتيجية، بل هو إطار تحليلي يستند إلى تطور مفاهيم الردع عبر المجالات (Cross-Domain Deterrence) والردع المتكامل (Integrated Deterrence)، وإلى المنطق الذي قامت عليه العمليات متعددة المجالات. لكنه يركز بصورة خاصة على العلاقة الديناميكية بين المجالات، والقدرة على الانتقال بينها ودمج تأثيراتها وفق طبيعة الخصم والتهديد (Gartzke & Lindsay, 2019; U.S. Department of Defense, 2022). .

وأولى خصائص هذا الردع هي التكامل. فالقدرات المختلفة لا تحقق قيمتها الردعية القصوى عندما تعمل منفصلة، وإنما عندما يدرك الخصم أنها أجزاء من منظومة مترابطة. فقد تكشف الأقمار الصناعية إطلاق صاروخ، ويحلل الذكاء الاصطناعي مساره، وتنقل القيادة والسيطرة المعلومات، وتعترضه منظومات الدفاع الجوي، بينما تعمل الحرب الإلكترونية والسيبرانية على تعطيل المنظومات التي تدعم الهجوم. وهنا لا ينتج الردع عن سلاح منفرد، بل عن منظومة متكاملة تحرم الخصم من تحقيق غايته.

والخاصية الثانية هي المرونة في اختيار مجال الرد. ففي الردع متعدد المجالات لا يشترط أن تكون الاستجابة من جنس الفعل؛ فقد يكون الرد على هجوم سيبراني اقتصاديًا أو تكنولوجيًا أو عسكريًا، وقد تواجه حملة معلوماتية بإجراءات سيبرانية ودبلوماسية واقتصادية. وهذه المرونة توسع خيارات صانع القرار وتجعل حسابات الخصم أكثر تعقيدًا.

أما الخاصية الثالثة فهي الجمع بين الردع بالعقاب والردع بالمنع. فالدولة قد تبني دفاعات جوية وصاروخية وسيبرانية تمنع الخصم من تحقيق أهدافه، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقدرات هجومية عسكرية وسيبرانية واقتصادية تفرض عليه كلفة إضافية. وبذلك يواجه الخصم احتمالين متزامنين: الفشل في تحقيق الهدف، ودفع ثمن المحاولة.

وتتمثل الخاصية الرابعة في توسيع مفهوم القدرة الوطنية. فلم تعد القدرة الردعية تقاس بالدبابات والطائرات والصواريخ والرؤوس النووية وحدها؛ فالتكنولوجيا وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي وشبكات المال والتجارة والبيانات والاتصالات وسلاسل الإمداد والوصول إلى الفضاء أصبحت عناصر في القوة الوطنية وقدرة الدولة على الصمود وإلحاق الكلفة بالخصم.

غير أن تعدد الأدوات لا يجعل كل قدرة أداة ردع تلقائيًا. فلكي تصبح القدرة قدرة ردعية ينبغي أن يعرف الخصم بوجودها، وأن يعتقد بإمكان استخدامها، وأن يدرك تأثيرها المحتمل في مصالحه. وهنا تبقى العناصر التقليدية للردع حاضرة: القدرة والإرادة والمصداقية والإدراك. فتعدد المجالات لا يلغي هذه المبادئ، بل يجعل تحقيقها أكثر تعقيدًا.

ومن هنا تبرز أهمية الاتصال الاستراتيجي. فالخصم لا يُردع بقدرة لا يعرفها أو لا يفهم الظروف التي يمكن استخدامها فيها. لكن بعض القدرات الحديثة، ولا سيما السيبرانية والاستخبارية والفضائية، تستمد جزءًا من قيمتها من السرية، مما يخلق مفارقة بين إظهار القدرة لتحقيق الردع وإخفائها للمحافظة على فاعليتها. وترتبط بذلك مسألة الغموض الاستراتيجي. فقد يكون عدم معرفة الخصم بكيفية الرد ومجاله وتوقيته عاملًا يزيد حساباته تعقيدًا، لكن الغموض المفرط قد يؤدي إلى سوء فهم الخطوط الحمراء. ولذلك يحتاج الردع متعدد المجالات إلى وضوح في المصالح التي ستدافع عنها الدولة وإرادتها في الدفاع عنها، وغموض محسوب في الوسيلة والتوقيت والمجال الذي ستختاره للاستجابة.

كما يكتسب الصمود والمرونة (Resilience) أهمية متزايدة. ففي عصر الهجمات السيبرانية والمسيّرات والصواريخ الدقيقة لا يمكن ضمان منع كل ضربة؛ ومن ثم تصبح قدرة الدولة على امتصاص الهجوم والمحافظة على وظائفها الأساسية واستعادة قدراتها بسرعة جزءًا من الردع بالمنع. فإذا أدرك الخصم أن مهاجمة الكهرباء أو الاتصالات أو القيادة والسيطرة لن تحقق الانهيار المطلوب، تراجعت جاذبية الهجوم الاستراتيجية (NATO, 2022).

ويطرح تعدد المجالات أيضًا مشكلة إدارة التصعيد. فالانتقال من مجال إلى آخر لا يخضع لمقياس موحد للكلفة والخطر؛ فقد يرد على هجوم سيبراني بعمل عسكري، أو تؤدي عقوبات اقتصادية إلى أضرار تفوق ضربة عسكرية محدودة. وما يراه طرف استجابة متناسبة قد يراه الآخر تصعيدًا خطيرًا. ولذلك يصبح فهم تصور الخصم لسلم التصعيد جزءًا من الردع متعدد المجالات.

وتبرز كذلك مشكلة الإسناد (Attribution)، خصوصًا في المجال السيبراني والمعلوماتي والعمليات المنفذة بواسطة الوكلاء. فإذا تعذر تحديد المسؤول بدرجة كافية من اليقين، أصبح التهديد بالعقاب أقل مصداقية. ولهذا أصبحت الاستخبارات والتحليل الرقمي والمراقبة الفضائية وتبادل المعلومات بين الحلفاء جزءًا من البنية الأساسية للردع، لا مجرد وظائف مساندة له.

ومن أهم آليات الردع متعدد المجالات إيجاد المعضلات أمام الخصم. فبدل أن يواجه دفاعًا واحدًا يستطيع التركيز على اختراقه، يجد شبكة من الدفاعات والتهديدات والبدائل. فإذا حاول تجاوز التفوق الجوي بالصواريخ والمسيّرات واجه دفاعات صاروخية وإلكترونية وسيبرانية؛ وإذا لجأ إلى الهجوم السيبراني واجه شبكات أكثر صمودًا واحتمال الرد في مجال آخر. والغاية ليست تحقيق التفوق المطلق في كل مجال، بل حرمان الخصم من العثور على مجال يستطيع العمل فيه بحرية ومن دون كلفة…

يبقى الردع متعدد المجالات خاضعًا للقاعدة الأساسية التي حكمت الردع منذ نشأته: إنه يعمل في عقل الخصم قبل أن يعمل في ميدان المعركة. فالقوة لا تردع بذاتها، مهما تعددت مجالاتها، وإنما عندما تتحول في إدراك الخصم إلى حساب للكلفة والمخاطرة واحتمال الفشل. ولذلك لا يمثل الردع متعدد المجالات إلغاءً للردع التقليدي، بل توسيعًا لنطاقه وتكييفًا لمنطقه مع بيئة أصبحت فيها القوة موزعة بين مجالات عسكرية ورقمية وفضائية واقتصادية ومعلوماتية مترابطة. ومن هنا يمكن اختصار منطقه في معادلة فكرية بسيطة: ليس المطلوب أن نكون الأقوى في كل مجال، بل أن نمتلك من التكامل والمرونة والمصداقية ما يجعل الخصم عاجزًا عن العثور على مجال يستطيع من خلاله تحقيق هدفه بكلفة مقبولة. عندئذ فقط تتحول تعددية المجالات من مجرد تعدد في أدوات القوة إلى منظومة ردع استراتيجية حقيقية.

يتبع