![]()
نمتار / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي

إذا كان تعدد المجالات قد وسع نطاق الردع وأدواته، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل العامل الذي يمكن أن يغير طريقة عمل هذه المجالات وترابطها وسرعة استخدامها. فهو ليس مجالًا مستقلًا من مجالات الصراع بالمعنى الذي نتحدث فيه عن البر أو البحر أو الجو أو الفضاء والفضاء السيبراني، بل قدرة أفقية عابرة للمجالات تدخل في معظمها وتربط بينها.
وقد تناولتُ في كتابي الصادر عام 2025( مدخل إلى الذكاء الاصطناعي واستخداماته في المجال العسكري) هذا التحول من زاوية تأثير الذكاء الاصطناعي في طبيعة العمليات العسكرية، ولا سيما تحليل البيانات واتخاذ القرار والأنظمة القتالية المستقلة والقيادة والسيطرة، وما يرتبط بذلك من مخاطر تشغيلية واستراتيجية (خماس، 2025). وما يهمنا هنا هو البعد الردعي لهذا التحول؛ فالذكاء الاصطناعي لا يضيف سلاحًا جديدًا إلى الترسانة فحسب، وإنما يمكن أن يغير عمليات الاستشعار والتحليل وتحديد الأهداف والقيادة والسيطرة، وبالتالي يؤثر مباشرة في الحسابات التي يقوم عليها الردع.
لقد قامت نظرية الردع التقليدية على افتراض وجود وقت يسمح للقيادة السياسية والعسكرية بتقدير التهديد وموازنة الكلفة والعائد واتخاذ القرار. وحتى في البيئة النووية، حيث كان زمن الإنذار قصيرًا، ظل الإنسان في مركز عملية اتخاذ القرار. أما الذكاء الاصطناعي فيتيح تحليل كميات هائلة من المعلومات بسرعة تتجاوز القدرة البشرية، وربط بيانات الأقمار الصناعية والرادارات والطائرات وأجهزة الاستشعار والمصادر الاستخبارية والشبكات الرقمية في صورة شبه آنية للموقف. وبذلك يصبح الزمن نفسه عنصرًا من عناصر القوة والردع (Horowitz, 2018). . وتظهر أهمية ذلك أولًا في الإنذار المبكر. فالقدرة على اكتشاف استعدادات الخصم وتحليلها والتنبؤ بسلوكه تقلل فرص المفاجأة وتتيح اتخاذ إجراءات دفاعية أو ردعية قبل وقوع الهجوم. وإذا أدرك الخصم أن تحركاته يصعب إخفاؤها، وأن الطرف الآخر قادر على اكتشافها وربط مؤشراتها بسرعة، تراجعت فرص نجاح المفاجأة، وتعزز بذلك الردع بالمنع. لكن الميزة نفسها تحمل خطرًا معاكسًا؛ فالخوارزمية لا تفهم النيات السياسية بالمعنى الإنساني، وإنما تستخلص أنماطًا واحتمالات من البيانات. وقد تفسر نشاطًا تدريبيًا بوصفه استعدادًا للهجوم، أو تفشل في اكتشاف عملية خداع، أو تعتمد على بيانات ناقصة أو مضللة. وفي بيئة شديدة التوتر يمكن أن يتحول الخطأ الخوارزمي إلى خطأ استراتيجي إذا بنت القيادة قرارها على تحليل آلي غير صحيح.. (Geist & Lohn, 2018)
ويرتبط بذلك تسريع دورة القرار. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تقليص المدة بين اكتشاف التهديد وتحليله واتخاذ القرار والاستجابة له. وهذا يمثل ميزة عملياتية مهمة، لكنه قد يصبح مصدرًا للخطر في الأزمات؛ لأن الطرف الذي يعتقد أن خصمه يستطيع اتخاذ القرار وتنفيذه خلال ثوان أو دقائق قد يشعر بأنه لا يملك الوقت الكافي للتريث. ومن هنا قد تتحول السرعة من عامل يعزز الردع إلى عامل يزيد خطر التصعيد وسوء التقدير. وتزداد المسألة حساسية عندما يقترن الذكاء الاصطناعي بالأنظمة الذاتية وشبه الذاتية. فالمسيّرات والأسلحة غير المأهولة تستطيع تنفيذ عدد متزايد من الوظائف باستقلال متفاوت عن الإنسان، وقد تتطور أسراب قادرة على التنسيق وتوزيع المهام والتكيف مع البيئة العملياتية. وهذا يوفر إمكانات كبيرة للردع بالمنع، لكنه يطرح سؤالًا استراتيجيًا وأخلاقيًا بالغ الأهمية: إلى أي مدى يمكن تفويض الآلة في استخدام القوة؟ وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة القرار، وتسليم القرار الاستراتيجي إليه. ففي الحالة الأولى يستطيع النظام جمع المعلومات وتحليل البدائل وتقديم التوصيات، بينما يبقى القرار النهائي بيد الإنسان. أما تفويض النظام باتخاذ قرارات ذات آثار استراتيجية واسعة فيثير مشكلات تتجاوز التكنولوجيا إلى المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية. ولذلك أكدت السياسات المتعلقة بالأنظمة الذاتية ضرورة المحافظة على مستويات مناسبة من الحكم البشري على استخدام القوة (U.S. Department of Defense, 2023). . ويؤثر الذكاء الاصطناعي كذلك في مصداقية الردع. فإذا امتلكت الدولة منظومات تستطيع اكتشاف الهجوم بسرعة، والمساعدة في تحديد مصدره، وتحليل خيارات الاستجابة، فإن الخصم يصبح أقل ثقة بقدرته على تنفيذ ضربة ناجحة أو الإفلات من الرد. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في المجال السيبراني، حيث تمثل مشكلة الإسناد إحدى نقاط ضعف الردع. غير أن الذكاء الاصطناعي يستطيع دعم الإسناد التقني، لا أن يحل المشكلة نهائيًا، لأن تحديد المسؤولية السياسية عن الهجوم يظل معتمدًا على الاستخبارات والسياق إلى جانب الأدلة التقنية.
وفي المقابل، يفتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام التضليل والخداع على نطاق غير مسبوق. فالتزييف العميق وتوليد الصور والأصوات والنصوص الاصطناعية يمكن استخدامها لإرباك القيادة أو التأثير في الرأي العام ونشر معلومات كاذبة أثناء الأزمات. وقد تصبح سلامة البيانات نفسها موضع صراع، بحيث لا يعود السؤال فقط عما إذا كانت المعلومة صحيحة، وإنما عما إذا كانت البيانات التي تعتمد عليها الخوارزمية قد جرى التلاعب بها عمدًا. ومن هنا تتعزز أهمية المرونة والصمود. فليس من الواقعي افتراض إمكان منع كل هجوم سيبراني أو معلوماتي أو هجوم بالمسيّرات. ولذلك تصبح قدرة الدولة والقوات المسلحة والشبكات الحيوية على مواصلة العمل بعد التعرض للهجوم جزءًا من الردع. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في اكتشاف الأعطال وإعادة توزيع الموارد واستعادة الشبكات وتوفير مسارات بديلة للقيادة والسيطرة. فإذا علم الخصم أن هجومه لن يحقق الشلل الذي يريده، تراجعت فائدته الاستراتيجية.
لكن أحد أخطر آثار الذكاء الاصطناعي قد يكون زيادة عدم اليقين في زمن الأزمة. فقد استند الردع التقليدي، رغم مخاطره، إلى قدر من المعرفة المتبادلة بقدرات الخصم وقواعد سلوكه. أما الخوارزميات العسكرية فهي غالبًا سرية، ولا يعرف الطرف الآخر كيف تعمل أو كيف ستفسر سلوكه. بل قد لا يعرف مستخدمها بصورة كاملة كيف ستتصرف بعض الأنظمة المعقدة في ظروف لم تختبر سابقًا. وهكذا يظهر نوع جديد من عدم اليقين الاستراتيجي: ليس بشأن نيات الخصم فقط، بل بشأن سلوك الأنظمة التي يعتمد عليها في اتخاذ القرار.
ويزداد هذا الخطر مع سباق القوى الكبرى نحو التفوق في الذكاء الاصطناعي. فإذا اعتقدت دولة أن منافسها على وشك تحقيق اختراق تكنولوجي يمنحه قدرة كبيرة على اكتشاف قواتها أو تعطيل شبكاتها أو تهديد قدراتها الاستراتيجية، فقد تخشى تغير ميزان القوة بسرعة. ولذلك لا ينبغي قياس أثر الذكاء الاصطناعي في الردع بحجم القدرات التي يوفرها فقط، وإنما أيضًا بما يخلقه من تصورات ومخاوف وتوقعات لدى الخصوم (Horowitz, 2018). . كما قد يقلل انتشار الذكاء الاصطناعي بعض الفوارق التقليدية بين القوى الكبرى والمتوسطة، بل وبين الدول وبعض الفاعلين من غير الدول؛ فالبرمجيات والخوارزميات أكثر قابلية للانتشار من حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية، ويمكن دمجها مع المسيّرات التجارية ووسائل الاتصال والتكنولوجيا منخفضة الكلفة. وبذلك قد يستطيع طرف أضعف ماديًا إحداث تأثير لا يتناسب مع حجم موارده، وهو ما يعيد تشكيل العلاقة التقليدية بين حجم القوة وحجم التأثير. ومع ذلك يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعزز الردع متعدد المجالات بدرجة كبيرة إذا استخدم بوصفه أداة للتكامل لا بديلًا عن القرار الاستراتيجي. فهو يستطيع جمع المعلومات الواردة من المجالات البرية والجوية والبحرية والفضائية والسيبرانية والإلكترونية، وتقديم صورة مشتركة للموقف وتحليل خيارات الرد وآثارها المحتملة. وهنا تظهر الصلة المباشرة بينه وبين العمليات متعددة المجالات؛ فالتكامل الذي كان يحتاج إلى جهود بشرية وتنظيمية ضخمة يمكن أن يصبح أسرع وأكثر دقة بفضل الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وبذلك لا يلغي الذكاء الاصطناعي المبادئ الأساسية للردع، وإنما يعيد تشكيل البيئة التي تعمل فيها. فالقدرة والإرادة والمصداقية والإدراك ما تزال عناصر حاسمة، لكن القدرة أصبحت أكثر اعتمادًا على البيانات والخوارزميات، والإدراك أكثر تعرضًا للتلاعب الرقمي، والمصداقية أكثر ارتباطًا بسرعة الاستجابة والصمود الشبكي إلى جانب حجم الترسانة.
ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان في بعض الوظائف العسكرية، بل في أن تصبح سرعة الآلة أكبر من قدرة الإنسان السياسي على التفكير في عواقب القرار. ولذلك ينبغي أن يكون الهدف من إدخال الذكاء الاصطناعي في منظومة الردع تحسين المعرفة، وزيادة خيارات القرار، وتقوية القدرة على المنع، لا اختصار التفكير السياسي أو إلغاء الحكم البشري.
فالردع، مهما بلغت درجة أتمتته، يبقى في النهاية علاقة بين إرادتين سياسيتين، وغايته ليست جعل الحرب أسرع وأكثر ذكاءً، وإنما جعل قرار البدء بها أقل عقلانية وأكثر كلفة في حسابات الخصم.
وقد خلصتُ عند دراسة مستقبل الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي إلى أن أهميته لا تكمن في استبدال الإنسان بالآلة، وإنما في قدرته على تغيير سرعة جمع المعلومات وتحليلها ودعم القرار وربط الأنظمة والقدرات المختلفة (خماس، 2025). وما نضيفه هنا هو البعد الردعي لهذه التحولات: فإذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طريقة استخدام القوة، فمن الطبيعي أن يعيد أيضًا تشكيل الطريقة التي تستخدم بها هذه القوة لمنع الحرب وردع الخصم….يتبع










اترك رد