نمتار .. بديع الكلمات || بقلم حنان بديع ||.. هل ينفرد الانسان بفضيلة الأخلاق والرحمة  

Loading

من التعاطف إلى الإيثار، ومن الغريزة إلى الضمير.. أين تبدأ الأخلاق، وما الذي يميز أخلاق الإنسان عن سلوك الحيوان؟

هل يولد الإنسان طيبًا بطبيعته، أم أن الأخلاق ثمرة التربية والتجارب والبيئة التي ينشأ فيها؟ وهل يولد بعض الناس وهم يحملون استعدادًا فطريًا للتعاطف والرحمة، بينما يحتاج آخرون إلى سنوات من التهذيب حتى يتعلموا احترام الآخرين؟ ثم ماذا عن الحيوانات التي تُظهر سلوكيات تثير دهشتنا، من حماية صغارها ومواساة أفراد جماعتها، إلى مساعدة بعضها بعضًا، بل وإظهار تعلق لافت بالبشر؟ أيمكن أن نعدّ هذه السلوكيات شكلًا من أشكال الأخلاق، أم أنها مجرد استجابات غريزية لا علاقة لها بالوعي الأخلاقي؟

أسئلة تتجاوز حدود الفلسفة لتلتقي بعلم النفس والأحياء والسلوك الحيواني، وتفتح بابًا واسعًا للتأمل في طبيعة الخير والشر، وفي المسافة الفاصلة بين الإنسان وسائر الكائنات الحية.

لم يحسم الجدل حول أصل الأخلاق بعد، فهناك من يرى أنها متجذرة في الطبيعة الإنسانية، وأن الإنسان يولد باستعدادات أولية تجعله قادرًا على التعاطف والتعاون والشعور بالآخرين، بينما يرى اتجاه آخر أن الأخلاق منظومة يكتسبها الفرد من أسرته ومجتمعه وثقافته، ومن القوانين والقيم التي يتعلمها خلال مراحل حياته.

والأقرب إلى ما تشير إليه المعارف الحديثة أن الأخلاق ليست نتاج عامل واحد، بل حصيلة تفاعل معقد بين الاستعدادات الفطرية والتنشئة الاجتماعية والتجربة الشخصية. فالرحمة مثلا قد تبدأ بشعور تلقائي، لكن تحويلها إلى سلوك مسؤول يتطلب وعيًا وتربية.

إلا أننا حين نشاهد كلبًا يحرس صاحبه، أو حيوانًا يحمي صغيرًا ليس من نسله، أو مجموعة من الحيوانات تتعاون لمواجهة خطر، يصعب ألا نتساءل عما إذا كانت هذه الكائنات تمتلك مشاعر وقيمًا تشبه ما نسميه الأخلاق.

وقد كشفت دراسات السلوك الحيواني أن بعض الجذور الاجتماعية والانفعالية التي ترتبط بالأخلاق لدى الإنسان ليست حكرًا عليه. كذلك ليس كل سلوك نافع أو لطيف دليلًا على وجود ضمير أخلاقي بالمعنى البشري، لذلك يظل السؤال العلمي مفتوحًا حول طبيعة الوعي الذي يصاحب هذه السلوكيات، ومدى تعقيده لدى الأنواع المختلفة.

كثيرًا ما تثير مواقف الحيوانات مشاعر الإعجاب؛ فقد يظهر حيوان وفاءً لرفيقه، أو يبدي استجابة لافتة لحزن صاحبه، أو يغامر لحماية صغيره. وفي المقابل، قد يمارس إنسان يمتلك التعليم والثقافة والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ أفعالًا تنطوي على القسوة أو الاستغلال أو الخيانة.

هذه المقارنة لا تعني أن الحيوانات أرقى أخلاقيًا من البشر على نحو مطلق، لكنها تذكّرنا بأن الحيوان يتفوق على البشر في كثير من الأحيان في امتحان الأخلاق والرحمة، وأنها حقيقة للأسف.