عازفة عود من طراز خاص .. نازك الملائكة موسقت القصيدة وتمردت على فحولتها

Loading

نمتار / سامر المشعل

الشاعرة العراقية نازك الملائكة التي كانت لها الريادة في تغيير شكل الشعر العربي وفتح بوابة التجديد في كتابة الشعر، فهي اول من ابحرت بعالم الحداثة، من خلال كتابتها لقصيدة الشعر الحر الى جانب الشاعر بدر شاكر السياب. والتي تعد اول من كتب في هذا اللون الشعري الجديد في العام 1947 عبر قصيدة ” كوليرا “.

نود في هذا المقال ان نسلط الضؤ على جانب خفي في شخصية الملائكة، وهو علاقتها الوثيقة بالموسيقى والتي أثرت بشكل فاعل على نتاجها الشعري، وجعل قصيدتها مموسقة وكأنك تقرأ مشاعرها الانسانية على شكل نوطة موسيقية. 

نازك الملائكة كانت بالاساس عازفة عود، وتعشق الموسيقى، وهذا انعكس على تجربتها الشعرية، فجاءت قصائدها مفعمة بالرومانسية وفيها حوار وجداني عالي الاحساس، بايقاع يتسق وجرس المفردة. فكانت العديد من الاذاعات العربية تقدم اشعار نازك الملائكة ممزوجة بالموسيقى اواخر الليل من فترات بثها. وفي هذا المقال سوف نسلط الضؤ على علاقة الملائكة الوثيقة بالموسيقى والعزف على آلة العود وانعكاس عشقها للموسيقى على تجربتها الشعرية وكسرها للقوالب الشعرية الكلاسيكية المتعارف عليها منذ عدة قرون.

تمتلك نازك الملائكة اذنا موسيقية قوية جدا وذا حساسية عالية، بحيث تعلمت العزف على آلة العود، وكانت تعزف كل ما تسمعه من روائع الغناء العربي، ولم تكتفي بثقافتها السمعية وحسب، انما دخلت الى معهد الفنون الجميلة، قسم الموسيقى، لتتعلم أصول الموسيقى بشكل اكاديمي، في عقد الاربعينيات من القرن الماضي.

عندما سئلت الشاعرة نازك الملائكة في احدى اللقاءات الصحفية: لماذا تذكرين العود كثيرا في اشعارك ؟

قالت :” السبب بسيط، لانني اعزف العود منذ زمن بعيد، وما اعزفه من موسيقى لمحمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وفريد الاطرش، وعبد الحليم حافظ، وفيروز، وفائزة احمد، ونجاة الصغيرة.. وسواهم. اعزفه معتمدة على قوة سمعي، لانني قادرة على عزف أية اغنية اسمعها على قوة سمعي من دون الرجوع الى النوتة الموسيقية “.

وتواصل الملائكة حديثها عن الموسيقى ” ومع ذلك فأن لدراستي أصول الموسيقى الشرقية في معهد الفنون الجميلة ببغداد 1942 _ 1949 اثراً كبيراً في قدرتي على تحريك أصابعي على طول الاوتار وتمييز المقامات التي تنتمي اليها الاغاني المختلفة “.

وتعتز الشاعرة الرائدة نازك الملائكة، أنها توفرت لها الفرصة بالتتلمذ على يد الموسيقار الشريف محيي الدين حيدر، قائلة ” اسعدني الله في الافادة عن قرب من استاذنا الموسيقار الكبير محيي الدين حيدر، فهو عبقرية موسيقية فذة “.

ولدت نازك الملائكة في بغداد بمنطقة العاقولية العام 1923 من اسرة تتنفس الشعر والادب، فقد كانت والدتها سلمى أم نزار شاعرة، ووالدها صادق الملائكة شاعرا واديبا له مؤلفات بالادب واللغة العربية، هذه البيئة الثقافية رمت بظلالها على شخصية نازك الملائكة في لوج فضاءات ابداعية جديدة غير مألوفة، وتكوين شخصية ادبية مؤثرة ومجددة بالشعر والنقد.

بالاضافة الى الحاضنة الثقافية التي تربت في كنفها نازك الملائكة، فهناك امران ساهما في بلورة شخصيتها الادبية وتفردها ومنحتها افقا ابداعيا مغايرا، هما: تعلمها لعدة لغات منها الاتينية والفرنسية والانكليزية، فضلا عن تعلمها بحور الشعر العربي على يد والدتها الشاعرة سلمى أم نزار، هذا منحها سعة اطلاع على ثقافات شعوب العالم وتجاربهما الشعرية والادبية.

الامر الاخر عزفها على آلة العود التي افضت لان تكون قصائدها مموسقة ولها جرس نغمي في اذن المستمع. هي نفسها تقول ” افدت من الموسيقى في كتابة الشعر “.

هذه العوامل مجتمعة خلقت لنا شخصية ادبية مغايرة، فتحت لنا نوافذ الحداثة الشعرية واخترقت الحجب لمنح القصيدة العربية انوثة ناعمة بعدما كان الشعر العربي يرزح تحت فحولة الذكورة لسنوات طويلة.

 فعُدَّ تمردها على الشعر العمودي مواقفها النقدية بمثابة ثورة أنثوية ضد فحولة الشعر العربي. وقد احتفى بعض النقاد، وبشكل خاص الناقدات، بهذا المنجز وعدّوه مظهراً من مظاهر صعود النزعة الأنثوية والنسوية التي تأطرت تحت مشروع النقد النسوي. وقد لفت الناقد الدكتور عبد الله الغذامي في دراسة مهمة له نشرتها مجلة «فصول» المصرية العام 1997 إلى ظاهرة تأنيث القصيدة الحرة الذي حققته تجربة الشاعرة العراقية نازك الملائكة آنذاك.