![]()
نمتار / بقلم حنان بديع
ليست كل الذكريات ملاذًا دافئًا نلوذ به كلما أثقلتنا الحياة؛ فبعضها يتحوّل إلى عبءٍ خفي، ينهض من أعماقنا في اللحظات التي نظن فيها أننا تجاوزناه، ليعيد إلينا وجعًا قديمًا، وندمًا لم يخفت، وأسئلةً لم نجد لها إجابات. وبين ماضٍ لا يكفّ عن استدعائنا، وحاضرٍ نحاول أن نعيشه، نقف أحيانًا أسرى لحكايات انتهت أحداثها، لكنها لم تنتهِ في داخلنا.
ثمة ذكريات لا تمرّ بنا كما تمرّ الفصول، بل تستقرّ في أعماقنا، وتتحوّل إلى أصواتٍ داخلية تلاحقنا أينما ذهبنا. نستعيد كلمةً قاسية قيلت لنا، أو قرارًا اتخذناه في لحظة ضعف، أو فرصةً أضعناها، أو شخصًا منحناه أكثر مما ينبغي. وقد نستعيد، على نحوٍ أشد إيلامًا، نسخًا قديمة من أنفسنا؛ أشخاصًا كنّاهم، وأحلامًا حملناها، وطرقًا لم نسلكها.
المؤلم في الذكريات ليس ما حدث وحده، بل قدرتنا على إعادة عيشه مرارًا، وكأننا نحاول تغيير نهايته باستحضاره. وهكذا، لا تعود الذكرى مجرد صورةٍ من الماضي، بل تصبح تجربةً تتكرر في الحاضر، وتستنزف قدرتنا على الفرح، وتسرق منا لحظاتٍ كان يمكن أن تكون جميلة لولا أننا تركنا أبوابنا مفتوحةً أمام ما مضى.
لعلّ أشدّ الذكريات قسوةً تلك التي ترتبط بالندم؛ حين ننظر إلى قراراتنا القديمة بوعيٍ لم يكن متاحًا لنا آنذاك، ونحاكم أنفسنا على أشياء لم نكن نعرف نتائجها، أو على مواقف تصرّفنا فيها وفق ما امتلكناه من خبرةٍ ومشاعر وقدرة على الفهم في ذلك الوقت. ولعل أقسى الذكريات تلك التي تؤلمنا قسرا حين نتمنى لو يعود الزمن لنكون أكثر عطاء أو أكثر أنانية!
قد يبدو غريبًا أن يحتفظ الإنسان بذكرياتٍ تؤذيه، وأن يعود إليها رغم معرفته بما تسبّبه له من حزن. لكن بعض الذكريات ترتبط بحاجاتٍ لم تُشبَع، أو نهاياتٍ لم نفهمها، أو اعتذاراتٍ لم تصل، أو أسئلةٍ ظلّت معلّقة. وقد نتمسّك بها لأننا نعتقد، في مكانٍ ما من داخلنا، أن استمرار الألم دليل على أهمية ما حدث، أو أن نسيانه يعني التخلّي عن حقّنا، أو أن تجاوز من أساء إلينا نوعٌ من تبرئته.
غير أن التحرّر من الذكرى لا يعني تبرير ما حدث، ولا إنكار حجم الأذى، ولا منح الآخرين صكّ الغفران. إنه، في جوهره، استردادٌ لحقّنا في الحياة بعيدًا عن سيطرة التجربة القديمة. فمن حقّنا أن نتذكّر من دون أن ننهار، وأن نعترف بما خسرناه من دون أن نعتبر حياتنا كلها خسارة، وأن نحتفظ بالدروس من دون أن نحمل الجراح مفتوحةً إلى الأبد.
يمكننا أن نتذكّر من دون أن نجلد أنفسنا، وأن نحزن من دون أن نجعل الحزن هويتنا، وأن نعترف بأن بعض ما حدث كان ظالمًا، من دون أن نسمح للظلم بأن يحدّد بقية أعمارنا. ويمكننا أيضًا أن نتقبّل أن بعض الأسئلة ستظل بلا إجابات، وأن بعض النهايات لن تمنحنا الرضا الذي انتظرناه، وأن الحياة لا تتوقف حتى نحصل على تفسيرٍ لكل ما جرى.
ليس الماضي إلا فصلٌ من حكايتنا، لكنه ليس الحكاية كلها. والذكريات، مهما امتلكت من قدرةٍ على إيلامنا، لا ينبغي أن تتحوّل إلى سياطٍ نجلد بها أنفسنا كلما حاولنا المضيّ قدمًا. فالحياة التي تستحق أن نعيشها ليست تلك التي نمحو منها الوجع، بل تلك التي نتعلّم فيها ألّا نسمح للوجع بأن يسرق ما تبقّى لنا من الفرح.









