دور مُهم لتضامن دول المنطقة رغم كل الإخفاقات

Loading

نمتار / د. ناصر زيدان

تلاشت الخلافات العربية – العربية الى الحدود الدُنيا، وتبدو اللحظة السياسية الراهنة مناسبة مثالية لدفع التضامن العربي نحو مسارات مُتقدِّمة، ذلك أن الهجمة التي تستهدف الأمن القومي العربي؛ كبيرةٌ جداً، ولم يعُد بالإمكان التسامح أكثر مع الذين يهددون مصالح الدول العربية واستقرار العالم، والتراجع الى الوراء، يُعتبر هدية للذين تجاوزوا حدودهم في تهديد أمن المنطقة برمتها. ويتلاقى الخطر الإسرائيلي الذي يتمادى في عدوانه على فلسطين وعلى لبنان وعلى سوريا، مع الخطر القادم من مجموعات مُتفلِّتة في اليمن، تتلقى توجيهاتها من الخارج، وتستخدمها ايران ورقة تفاوض في صراعها مع الولايات المتحدة الأميركية.

التضامن الذي أظهرته غالبية الجهات العربية – الرسمية والشعبية –  مع الدول الخليجية؛ كان واسعاً ولافتاً، والإدانات التي رفعت في وجه الميليشيات الحوثية التي استهدفت المنشآت المدنية في المملكة العربية السعودية؛ كان شاملاً، وهو ساهم في دفع مجلس الأمن الدولي الى اصدار بيان رئاسي يدين الاعتداءات الحوثية من دون أي اعتراض، وقبل طلب لدراسة تبنّي قرار أممي يُصنف هذه الميليشيات كمنظمة إرهابية. وقد انقلبت الصفحة السابقة بكاملها، مع ظهور المشهد المؤلِم في المٌنشآت المدنية السعودية، وغيرت بعض الدول العربية المُتردِدة مواقفها، اتجاه التجاوزات الحوثية، لأن الأمر لم يعُد يخص الحكومة اليمنية الشرعية، او دول الخليج فقط؛ بل أصبح الإنفلاش الأمني للحوثيين يشكل خطراً واسعاً على استقرار المنطقة وهويتها العربية، بصرف النظر عن بعض الأحقية التي تمتلكها مطالبهم الداخلية كونهم أحد مكونات اليمن “السعيد”.

قرار الحوثيين بتفجير الوضع خدمةً للمقاربة الإيرانية؛ بدا واضحاً منذ تموز/يوليو 2026، عندما عادت الطائرة التي نقلت الوفد الحوثي المشارك في تشييع السيد علي خامنئي، وقررت الهبوط عنوةً في مطار صنعاء، تحدياً لكل الاتفاقات السابقة. وبرغم المساعدات الكبيرة التي قدمتها دول الخليج العربي لليمنيين الذي يعيشون في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية؛ تواصلت الاستفزازات الحوثية، وهدَّد هؤلاء حرية الملاحة في البحر الأحمر متجاوزين كل القوانيين الدولية ذات الصلة. وقد وصل بهم الجنوح الى حد تهديد حرية المرور في مضيق باب المندب، وهو مرفق عالمي استراتيجي، ترتبط فيه مصالح عدد كبير من دول العالم، وتعتمد عليه التجارة الدولية بما يقارب 15 بالمئة من حركتها.

مع تجاوز إنفلاش الحوثيين لكل الحدود، وبعد أن تمادت إسرائيل في عدوانها على الفلسطينيين وعلى لبنان، وهي تُهدِّد سوريا ووحدتها من خلال احتلالها لقسم من أراضي الجنوب، ودعمها لمجموعات مُتفلِّتة في السويداء؛ أصبح لزاماً على الدول العربية مجتمعةً الوقوف في وجه هذه الهجمة الشرسة، وتعطيل نتائج التدخلات الخارجية في الشأن العربي، وتوفير منظومة حماية جديدة، تكفل توفير الاستقرار في المنطقة العربية، لا سيما بعد أن فشلت القواعد الأجنبية في تأمين مثل هذه الحماية.

اللقاءات الثنائية والاجتماعات العامة التي عُقدت في سياق مجلس التعاون الخليجي؛ تبعث على التفاؤل. والخطوات العملية التي اتخذتها كل من مصر وسوريا لمساندة الدول الخليجية؛ كانت مؤثرة وهامة، وهي ترافقت مع خطوات اتخذتها الحكومة العراقية لضبط المجموعات الخارجة عن القانون، والتي تتلقى التوجيهات من ايران لضرب أهداف في كردستان وفي دول مجاورة. والرأي العام العربي يترقب تفعيل التضامن العربي من خلال مؤسسات جامعة الدول العربية، وتحريك مسار اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والاتفاق على تطوير منظومة الأمن العربي، بما يتماشى مع التحديات الجديدة، والدفع نحو إقرار معاهدة دولية تُحرِّم استخدام المُسيَّرات القتالية في المدن، استناداً الى الإقتراح التي تقدمت به الامارات العربية المتحدة الى مجلس الأمن الدولي في 30 كانون الأول/ديسمبر 2023.

الهجمة التي تستهدف الحضور العربي كبيرةٌ جداً، بسبب التفلُّت الإسرائيلي والإنفلاش الإيراني، بينما الولايات المتحدة الأميركية غير مبالية بحماية أصدقائها، والفرصة مُهيئة لتفعيل التضامن العربي، ولوضع استراتيجية أمنية عربية بالتعاون مع الدول الصديقة – لا سيما القريبة منها – بما يحمي المصالح العربية، ويُوقف مسلسل التراجعات.