نمتار..الحرب في أوكرانيا تُعيد التذكير بالتوترات الأوراسية ذات الأبعاد العالمية..بقلم  || البروفيسور  ناصر زيدان ||

Loading

كانت كييف عاصمة أوكرانيا الحالية مركزاً للدولة الروسية عند تأسيسها في القرن التاسع ميلادي، وانطلق منها الأمراء الروس لمحاربة المغول، وتوسيع إماراتهم وبسط نفوذهم على السهوب الواسعة في الشرق، وعلى بعض مناطق جنوب الغرب الأوروبي السلافي وفي دول البلطيق في الشمال، وعلى مولدافيا وبيساريا. امَّا الزعيم السوفياتي المُتشدِّد جوزيف ستالين(1922 – 1953)؛ فقد ترك لأوكرانيا هامش استقلال ضمن جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، وأبقى لها مقعدها في الأمم المتحدة، وضمَّ لها جزيرة القُرم ادارياً، رغم أنها كانت جزءاً لا يجزأ من الدولة الشيوعية المترامية الأطراف قبل العام 1990.

اما الترابط بين ما يجري في أوكرانيا ومحيطها اليوم، وبين الماضي الذي شهد أكبر التوترات الدولية في تلك البقعة الأوراسية البرمائية الشاسعة؛ فهو كبير جداً، ويكاد التاريخ يُعيد بعض مشاهده الأليمة التي انطلقت من تلك البُقعة، ذلك أن أوكرانيا الحالية ساحة صراع دولية كبرى، كما كان عليه الوضع في البحر الأسود وبولونيا في الحروب السالفة. والعملية العسكرية الروسية الخاصة التي بدأ تنفيذها في شباط/فبراير من العام 2022، تحوَّلت الى حرب غير مباشرة بين حلف شمالي الأطلسي وروسيا، وعوامل تفاقمها قائمة، ويمكن لها أن تجرّ ويلات جديدة على القارة الأوروبية، بل على العالم أجمع، ذلك أن الخشية الروسية من الجانب الغربي كانت بإستمرار مصدر قلق لقادة الكرملين، بينما أوروبا لديها خوف دائم من الطموحات الروسية، رغم نجاح تعاون الجانبان الذي حصل بين العام 2004 والعام 2014.

ففريدريك العظيم (امبراطور بروسيا – او المانيا حالياً) هُزم أمام الروس في العام 1758، ودخل هؤلاء الى برلين. والفرنسيون ذاقوا لوعة التقهقر بعد أن اضطرَّ جيش نابليون الى الانسحاب من موسكو في العام 1812. لكن تجربة تعاون الضرورة ألزم الجميع بالإنخراط في “الحلف المقدَّس” عام 1815(وهو ضمَّ روسيا وبروسيا والنمسا وفرنسا) لمواجهة الاضطرابات الشعبية الكبيرة التي حصلت في أوروبا ضد الأباطرة ومن أجل الحرية.

الأهمية الجيوبوليتيكية للبحر الأسود وجزيرة القرم

ويُشكِّل البحر الأسود – وفي وسطه جزيرة القرم – مصدر توتر مهم بين الشرق والغرب، او على ضفاف الانتشار الأوراسي الواسع. فالبحر شريان أساسي بالنسبة لروسيا، وكذلك بالنسبة لأوكرانيا، وهو طريق منتجاتهم المثالي نحو أسواق العالم، وله تواصل مع عدد كبير من دول المنطقة من خلال ممرات نهر الدانوب، وبحر آزوف وعبر الشواطيء المُحاذية، وتُشكل جزيرة القرم القابعة وسط مياه شمال البحر؛ منصَّة مراقبة واشراف على الحراك فيه. والامبراطورة الروسية الشهيرة كاترينا التي حكمت البلاد بين العام 1762 والعام 1796؛ اعتبرت البحر الأسود “بحيرة روسيا” بعد أن كان مساحة نفوذ خالصة للعثمانيين قبل العام 1730. وبقيَ التوتر قائماً بسبب أهمية استخدامات البحر والممرات التركية التي تصله الى المتوسط ومن ثمَّ الى العالم، الى حين توقيع اتفاقية مونترو سنة 1936، وهي حدَّدت صلاحية السلطات التركية على الممرات، بما لا يتعارض مع حرية العبور للدول المُشاطئة للبحر. لكن اعلان سلطات موسكو ضمّ جزيرة القرم الى روسيا وطرد ممثلي الحكومة الأوكرانية منها عام 2014؛ أعاد خلط الأوراق، وفرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية عقوبات اقتصادية شديدة على روسيا.

الحرب التي اندلعت بين روسيا وأوكرانيا في العام 2022 تحوَّلت الى صراع غير مباشر بين الأوروبيين وروسيا، وغالبية الإنفاق المالي، والتجهيزات العسكرية التي وظفتها كييف في الحرب ضد روسيا؛ كانت من مصدر أميركي وأوروبي، ولكن واشنطن تراجعت عن التزاماتها اتجاه كييف بعد أن تولَّى الرئيس دونالد ترامب الحكم مطلع العام 2025 بسبب خلافه مع الأوروبيين، وبعد أن حصلت فضائح اختلاس مالية كبيرة طالت المساعدات المُقدمة، وشارك فيها مسؤولين أوكران (على ما ذكرت تقارير أميركية). والرئيس ترامب اقام بوساطة لحلَّ النزاع، وتوصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى اتفاق على التسوية مؤلفة من 20 بنداً خلال قمة جمعتهما بولاية الاسكا في أب/اغسطس 2025، لكن التباينات الأميركية – الأوروبية أجهضت المساعي الأميركية، واعادت قمة دول حلف شمال الأطلسي التي عقدت في أنقرة بتركيا بين 6 و8 تموز/يوليو 2026، تنظيم الخلافات بين الحلفاء بما يخدم مصلحة أوكرانيا، من خلال برنامج دعم مالي وعسكري جديد لها، بما في ذلك اعطاءها تصريح لصناعة صورايخ باتريوت الأميركية المتطورة المضادة للطائرات على أراضيها، وهو ما أغضب موسكو، وجعلها أقل تساهُلاً من الماضي في مفاوضات السلام.

تصاعد لوتيرة الحرب في أوكرانيا

مع تصاعد وتيرة الحرب في أوكراني، يتزايد التوتر بين روسيا وحلف شمالي الاطلسي، والتشنُّج وصل الى مستويات مرتفعة، ويكاد أي احتكاك غير محسوب أن يؤدي الى اندلاع مواجهات عسكرية. وقد ضاعفت عمليات الاعتراض التي استهدفت سُفن من “أسطول الظلّ” التجاري الروسي من سخونة الوضع، وهدَّد قائد الأسطول الروسي في المحيط الهادئ بتوقيف سفن الدول التي تُقدِم على تفتيش او احتجاز ناقلات روسية، او المُحمَّلة بمواد تخصها، وفي أي بقعة ترتأي البحرية الروسية أنها مناسبة. ويبدو أن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 12 آب/اغسطس الى جُزر الكوريل بأقصى الشرق مرتبط بهذا التوتر، على اعتبار أن الجُزر تجاور ممرات دولية هامة، برغم أن اليابان لا تعترف لروسيا بالسيادة عليها.

بعد اجتماع رؤساء دول حلف الأطلسي في 7 و8 تموز/يوليو الماضي بأنقرة، تراجع منسوب الاهتمام الأميركي بتسوية الأزمة الأوكرانية، وصدرت قرارات تدعم أوكرانيا، وتُحمِّل روسيا مسؤولية استمرار الحرب، في وقت كان الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي يعترف علناً أن بلاده كانت وراء التصعيد لإجبار روسيا على انهاء الحرب كما قال.

لكن التوتر وصل الى حدّهِ المتقدِّم بعد تكرار اختراق طائرات مُسيرة روسية أجواء بولندا ورومانيا، رغم عدم إقرار موسكو بالمسؤولية عن هذه الأعمال. وقد اجتمع مجلس حلف الناتو، وأصدر بيان في 12 آب/أغسطس يدين الاعتداءات الروسية – كما أسماها – مُحذراً موسكو من مغبة تكرار هذه “الاستفزازات” والتي قد تستدعي الردّ كما ورد في البيان.

سبق هذه الأجواء تشنجات واسعة حصلت بين روسيا وبعض الدول الأوروبية على خلفية قيام هذه الدول بتفتيش سفن تجارية على صلة بروسيا، في البحر الأبيض المتوسط وفي بحر الشمال، بحجة أنها تخرق العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو. وروسيا تُعدّ العدة لتنفيذ مهام مشابهة ضد سُفن أي دولة تعترض بحريتها ناقلات تحمل منتوجات تعود لروسيا.

تغييب روسيا عن الشرق الأوسط

ومن جهة أخرى؛ فإن تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، قد تفاقِم الخلاف، لأن حلف الأطلسي يرغب في وضع خطة لتأمين الممرات بالقوة العسكرية من دون التنسيق مع موسكو. والولايات المتحدة الأميركية وعدت روسيا بالتعويض عن تغييبها عن قضايا الشرق الأوسط، من خلال لعب دور فاعل لتسوية الأزمة الأوكرانية بما يتوافق مع الطموحات الروسية، ولكن ذلك لم يحصل، وتراجع الاهتمام الأميركي بالملف الأوكراني بحجة الانشغال في الحرب مع ايران، لكن تزويد واشنطن لكييف بصواريخ باتريوت، والسماح لها بتصنيعها على أراضيها، أغضب موسكو، وذكرت بعض المعلومات أن روسيا أقدمت على تزويد طهران بالمعلومات وببعض التكنولوجيا العسكرية، وبمعدات عسكرية رداً على هذا الموقف.

توتر كبير بين روسيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي

التدهوُّر غير المسبوق في العلاقات بين روسيا وألمانيا؛ قد يكون أبلغ مثال عن التشنُّج القائم، وقد وصلت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين الى حدود مُتقدمة. وتقول موسكو أن برلين أصبحت شريكاً فعلياً في الحرب الأوكرانية عليها، بينما تعمل المانيا على تحشيد قوات عسكرية كبيرة عن طريق إعادة فرض نظام الخدمة الإلزامية، ولا تخفِ كون ذلك مرتبط بالخطر الروسي كما يقول عدد من المسؤولين الألمان. والبيانات الصادرة عن الكرملين تعتبر أن العلاقات مع المانيا تشهد انهيار تاماً.

مع أهمية البؤر الساخنة الموجودة حالياً على المستوى العالمي، لا سيما في الشرق الأوسط (او غرب آسيا) لكن الاختناق الدبلوماسي الذي تعيشه العلاقات بين شرق أوروبا – وخصوصاً روسيا منها – وغربها، له ابعاده الخطرة على الاستقرار العالمي. وروسيا تعتبر أن تنامي الهجمات عليها بواسطة مسيرات اوكرانية ممولة من دول الاتحاد الأوروبي، بمثابة عدوان عليها، بينما الاتحاد الأوروبي – وخصوصاً المانيا – لا يخفون مساعيهم الحثيثة في اتجاه انتاج منظومة حماية خاصة للقارة، لا تعتمد على القدرات العسكرية الأميركية.

الطرفان الروسي والاوروبي متضرران من انسداد أفق الحوار، والتعاون التجاري بينهما أثبت نجاعة كبيرة في السابق، لا سيما في مجال النفط والغاز، والخصام الحالي أفقد الجانبان فرص استثمارية عديدة، وأدى الى زيادة التضخُّم في دول الاتحاد، وروسيا تضررت هي الأخرى من العقوبات، رغم تعويضها عن الانقباض التجاري مع أوروبا بفتح أسواق جديدة في الشرق، ومضاعفة تعاونها مع الصين.

التوتر بين روسيا ودول غرب أوروبا خطِر للغاية

تتبلور يوماً بعد يوم صورة لمواجهات قد تحدث على الساحة الأوروبية، ودخول كوريا الشمالية كحليف لروسيا، كما ملف جُزر الكوريل المُتنازع عليها؛ قد يساهمان في قيام تحالف بين الأوروبيين واليابان لمواجهة الاندفاعة الروسية. وعندها تكون حرب أوكرانيا الشرارة التي تنطلق منها أهوال كبرى. والتاريخ يعيد نفسه بعض الأحيان، ولو كانت الأحداث مختلفة وصورة التحالفات ليست على ذات الشاكلة القديمة، حيث كانت أوكرانيا توالي روسيا في الماضي، وكانت الدول الأوروبية على خصامٍ كبير بين بعضها والبعض الآخر.