![]()
د. نصير شمّة
عندما بدأنا فكرة بيت العود قبل 27 عامًا، كانت تبدو للكثيرين مجرد “حلم رومانسي” أكثر منها مشروعًا قابلاً للحياة.
أن تؤسس مؤسسة متخصصة بآلة واحدة، في زمن كانت المعاهد تبحث عن الشمول لا عن التخصص، لم يكن أمرًا سهلاً.
أكبر تحدٍّ واجهناه هو إقناع الجهات الرسمية والجمهور بأن الاستثمار في العود هو استثمار في هوية كاملة، في ذاكرتنا الموسيقية وفي مستقبل أجيال قادمة، وليس ترفًا فنيًا.
واجهتنا صعوبات مالية وإدارية ولوجستية، لكن الإيمان العميق برسالة المشروع، وإصرار الطلبة الأوائل، واحتضان بعض المؤسسات الثقافية العربية، كل ذلك حوّل التحديات إلى حافز للإستمرار، حتى أصبح بيت العود اليوم مدرسة وتجربة يُشار إليها بفخر في العالم العربي وخارجه.
ومحطات بيت العود كثيرة، لكن هناك محطات أعتبرها مفصلية:
• افتتاح بيت العود في القاهرة، بوصفه النواة الأولى التي أثبتت أن الفكرة قابلة للاستمرار، وأننا قادرون على تخريج عازفين محترفين خلال سنوات قليلة.
• تأسيس بيت العود في أبوظبي، والذي نقل التجربة إلى مستوى مؤسساتي أوسع، ورسّخ حضور العود في المشهد الثقافي الخليجي والعربي.
• امتداد التجربة إلى بغداد والخرطوم ثم الرياض، حيث تحوّل بيت العود من مدرسة واحدة إلى شبكة بيوت تشارك المناهج والرؤية ذاتها وتخاطب بيئات ثقافية مختلفة.
أما المحطة الأجمل فهي رؤية خريجي بيت العود اليوم يقفون على المسارح العربية والعالمية، ويقودون مشاريعهم الخاصة، ويصبح بعضهم أساتذة في البيوت نفسها؛ هنا تشعر أن الفكرة لم تعد مرتبطة بشخص، بل تحوّلت إلى تيار ومدرسة.
سرّ بيت العود أنه لم يتعامل مع الهوية بوصفها “متحفًا”، بل ككائن حيّ قادر على التطوّر. حافظنا على أصول المقام والإيقاع، وعلى جماليات المدرسة العربية في العزف، لكننا في الوقت نفسه فتحنا الباب للحوار مع الموسيقى العالمية، ومع التجارب الجديدة في التأليف والتوزيع.
نحن نعلّم الطلبة أن يكونوا أوفياء للجذور، لكن غير خائفين من الأجنحة. لذلك ترى خريجي بيت العود يعزفون التراث باحترام، ويقدّمون أعمالاً معاصرة بروح عربية واضحة، دون أن يذوبوا في موجة الموضات الموسيقية العابرة.











اترك رد