![]()
نمتار / عماد آل جلال
من غير المنطقي أن ننظر للمهرجانات الثقافية مجرد موعد سنوي يجمع الأدباء والمثقفين، بل تجربة تقاس قيمتها بما تتركه من أثر في الوعي، وما تفتحه من نوافذ للحوار والإبداع. ومن هذا المنطلق يبرز مهرجان كلاويش الثقافي الدولي في السليمانية الذي يقام خلال تشرين الثاني من كل عام كإحدى المحطات الثقافية المهمة في إقليم كردستان العراق، بما راكمه من حضور واستمرارية منذ انطلاقته عام 1996.
يحمل المهرجان اسم مجلة “كلاويش” التي ارتبطت بتاريخ الصحافة والأدب الكرديين، مستعيداً إرثاً ثقافياً جعل من الكلمة وسيلة للتنوير والتعبير عن الهوية والانفتاح على الآخر. وعلى امتداد دوراته، وفر المهرجان مساحة للقاء الشعراء والروائيين والباحثين والفنانين، من خلال الندوات الفكرية والأمسيات الأدبية والمسابقات والجوائز، فضلاً عن معارض الكتب والفنون التشكيلية.
ولا تقتصر أهمية هذه الفعاليات على الاحتفاء بالمنجز الإبداعي، بل تتجاوزها إلى إثارة الأسئلة المتعلقة بقضايا الإنسان والمجتمع، ومستقبل الثقافة في ظل التحولات السياسية والتكنولوجية المتسارعة. كما يمنح التنوع اللغوي والثقافي للمشاركين فرصة لتبادل التجارب، ويعزز مكانة السليمانية فضاءً للحوار والتفاعل بين الثقافات.
وقد عكست الدورات الأخيرة هذا التوجه، من خلال الاهتمام بقيمة الكلمة ودورها في مواجهة الأزمات، وصولاً إلى مناقشة علاقة الإبداع بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يؤكد أن الثقافة الحية هي التي تصون ذاكرتها، من دون أن تغلق أبوابها أمام المستقبل.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لأي مهرجان لا تُقاس بعدد المشاركين أو أيام انعقاده وحدها، بل بما يتركه بعد اختتام فعالياته. وهنا تبرز أهمية تحويل النقاشات إلى مشاريع بحثية، والجوائز إلى فرص للنشر، واللقاءات إلى مبادرات مستدامة للترجمة والتعاون الثقافي، مع إتاحة مساحة أوسع للأجيال الشابة.
إن استمرار (كلاويش) يمثل رصيداً ثقافياً يستحق التقدير، لكنه يضع أمام القائمين عليه مسؤولية تطوير أثره وتوسيع حضوره. فالمهرجان الناجح هو الذي لا تنتهي رسالته بانتهاء دورته، بل يواصل إنتاج المعرفة، ويعزز التواصل بين الشعوب، ويمنح الكلمة قدرة متجددة على بناء جسور التفاهم.
فكلاويش ليس مجرد مهرجان في السليمانية، إنه فرصة سنوية لتأكيد أن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة إنسانية وذاكرة للمجتمع وأفق لمستقبله.









