د. حسين الانصاري || الاعلام الامني بين الواقع وافاق للذكاء الخارق

Loading

يتعاظم الاهتمام الدولي بالتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والذي  جعل الرئيس الامريكي دونالد ترامب يشير في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام الى تغيير مصطلح الذكاء الاصطناعي الى كلمة الخارق وسيكون مستخدما في التعاملات الرسمية الامريكية (Super Intelligence) بدلاً من  (Artificial Intelligence) وبعيدا عن جدوى التلاعب الاصطلاحي فأن ما قصده ترامب هو حالة التطور الكبير الذي يشهده الجانب التقني من ذكاء يتجاوز طاقة الانسان.

ولكن ما يهمنا هنا هو  التأثير الذي سيتركه ذلك في مجال الإعلام الأمني حيث تشكل الثقة والمصداقية اساسا للخطاب الاعلامي فيه ، وهذا يتبلور  من خلال  التطبيق العملي في الواقع ، واذا كانت الدول الكبرى والمتقدمة في مجال التقنيات الحديثة ومعطياتها تشير الى مستقبل اكبر للاستخدام والتنافس المستمر في هذا المجال  ، فما حال واقعنا العربي  لاسيما والمنطقة تشهد صراعات وحروب وازمات ،  وهذا  ما دعا المؤتمر العربي السابع عشر لرؤساء أجهزة الإعلام الأمني، الذي اختتم أعماله في تونس مؤخرا، إلى  ضرورة التوسع في الإنتاج الإعلامي الأمني باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة في مجال الأخبار والتوعية الأمنية . واكد ايضا على أهمية توظيف معطياته وامكاناته في رصد وتحليل الخطاب الإعلامي على الإنترنت، واستغلال هذا الدور في كشف خطاب التطرف والعنف والكراهية او نشر الاخبار الكاذبة والشائعات التي تسىء الى الآمن العام ومصلحة الوطن .وقد ذهبت بعض القيادات العربية ومنها العراق الى اصدار قرارات حاسمة وعقوبات صارمة لمن  يروج مثل هذا الخطاب في الاعلام او منصات التواصل الاجتماعي وقد استحدثت خلية متخصصة بالاعلام الامني لمتابعة وتنفيذ ذلك ، وعلى الصعيد العملي ، بدأت أدوات مثل منصات الطوارئ المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح تحويل المكالمات الصوتية إلى نصوص وترجمتها وتلخيصها في الوقت الفعلي، مما يسرع الاستجابة ويقلل الأخطاء . كما تستخدم تحليلات الذكاء الاصطناعي لمعالجة آلاف الكاميرات في مراكز الجريمة الآنية، مما يمنح الأجهزة الأمنية قدرة على الرصد لم تكن ممكنة قبل سنوات . لكن بالمقابل لهذا التميز هناك جوانب سلبية  ومخاطر  مثيرة للقلق تتمثل  بقدرةالذكاء الاصطناعي التوليدي على إنتاج وثائق استخباراتية مزيفة تبدو حقيقية تماما، بما فيها الأختام والشعارات الرسمية . والأخطر من ذلك، أن انتشار هذا المحتوى المزيف يخلق ما يسمى بتضخيم التهديدات حيث تصبح المخاطر المتخيلة  وليس القدرات الواقعية  هي التي توجه قرارات الأمن وسلوك الجمهور  الذي سيكون تحت سطوة الالة على تصنيع محتوى يبدو حقيقيا، وهنا يقع في حالة الشك حتى في التحذيرات الرسمية الصادقة التي سوف يتم تجاهلها  اوالتشكيك فيها في حالات الطوارىء الحقيقية.

وامام هذا الواقع ،تبرز الحاجة إلى توازن دقيق و اعتماد التحليل والتحقق البشري  وليس الاعتماد. الكلي  على مخرجات النماذج دون مراجعة . فالمسألة ليست في قوة الأداة، بل في كيفية استخدامها وهل ستكون جسراً لثقة أعمق، أم خدعة تلغي مصداقية الإعلام الأمني؟

 إن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي الخارق في مجال الإعلام الأمني لم يعد ترفا تقنيا، بل أصبح واقعا يفرض نفسه بقوة، وسيسفر حتما عن تحول جذري في بنية العمل الإعلامي الأمني فإما أن نستفيد منه ونوظفه لحماية أوطاننا، وإما أن نجد أنفسنا ضحايا لاختراقاته وتداعياته ال سلبية. ولذلك، فإن مسؤوليتنا كمجتمعات عربية تقتضي الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، عبر الاستثمار في التعليم والتخصص، وإعداد كوادر إعلامية وأمنية مؤهلة تجمع بين الوعي التقني والفهم الأمني والمسؤولية الوطنية، قادرة على مواكبة متطلبات هذا الواقع الجديد، والتصدي للتهديدات السيبرانية وحروب المعلومات، وحماية الأوطان من الاختراقات والآثار السلبية. إن الطريق إلى ذلك يبدأ من إدراك أن الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين، وأن من يملك المعرفة والكفاءة هو من يملك القدرة على حماية مستقبله.