مكتبة نمتار الذكية || اياد القيسي || “ضد التأويل ومقالات أخرى” ل” سوزان سونتاغ”  تتناول الفن والأدب والسينما والموسيقى والثقافة..ترجمة نهلة بيضون

Loading

المقدمة

————

هذا الكتاب ليس رواية ذات أحداث متسلسلة، ولا كتاباً نظرياً يقدم مذهباً فلسفياً مغلقاً، بل مجموعة من المقالات النقدية التي تتناول الفن والأدب والسينما والموسيقى والثقافة، وتختبر الطرق التي نفهم بها الأعمال الإبداعية ونحكم عليها.

تبدأ سونتاغ من مشكلة تراها في الثقافة الحديثة: نحن لا نكتفي بمشاهدة العمل الفني أو قراءة النص الأدبي، بل نحاول باستمرار استخراج معنى خفي وراءه. قد نعتبر اللوحة رمزاً لشيء سياسي، أو الرواية تعبيراً عن عقدة نفسية، أو الفيلم رسالة أيديولوجية، حتى تصبح الفكرة التي نستخرجها أهم من العمل نفسه.

تعتقد سونتاغ أن هذا النوع من النقد قد يحرمنا من تجربة الفن الحقيقية فهي لا ترفض التفكير، ولا ترى أن الأعمال الفنية خالية من المعاني من خلال المقالات المتنوعة، يمكن استخلاص تصور للناقد يقوم على مسؤولية مزدوجة.

المسؤولية الأولى: الدقة في النظر. ينبغي أن يلاحظ الناقد تفاصيل العمل نفسه، وألا يستبدل ملاحظاته الفعلية بأحكام جاهزة.

المسؤولية الثانية: الانفتاح على التجربة. ينبغي أن يكون مستعداً لمواجهة عمل يزعزع ذائقته أو أفكاره المسبقة، بدلاً من تحويله فوراً إلى شيء مألوف.

ومن هنا، يمكن فهم موقفها من النقد باعتباره ممارسة تجمع بين المعرفة والحساسية. فالناقد يحتاج إلى معرفة تاريخ الفن والسياق الاجتماعي والفلسفة، لكنه يحتاج أيضاً إلى القدرة على رؤية ما لا تستوعبه نظريته بسهولة.

وهذا لا يعني أن النقد يجب أن يكون انطباعياً أو عاطفياً فقط؛ بل إن الانطباع الجمالي نفسه يحتاج إلى وصف دقيق، ولغة واضحة، وقدرة على التمييز بين عناصر العمل.

هل ترفض سونتاغ التحليل السياسي والاجتماعي والنفسي؟

‏لا ينبغي أن نستنتج من عنوان الكتاب أن المؤلفة تعارض كل تحليل سياسي أو اجتماعي أو نفسي. الأقرب إلى موقفها هو الاعتراض على تحويل العمل الفني إلى مجرد مثال على نظرية. فلو كانت رواية ما تتناول الاستبداد، فمن المشروع دراسة علاقتها بالسلطة والتاريخ. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه القراءة كافية في نظر الناقد، فلا يعود يرى اللغة أو البناء أو الإيقاع أو التناقضات الفنية وبالمثل، يمكن دراسة شخصية روائية من منظور نفسي، بشرط ألا نعامل كل تفصيل على أنه دليل قاطع على تشخيص معين.إذن، المسألة ليست الاختيار بين الشكل والمضمون، ولا بين الجمال والسياسة، بل في طريقة إقامة العلاقة بينها.

تطبيق أفكار الكتاب على النقد العربي

‎يمكن الاستفادة من أفكار سونتاغ في قراءة الشعر والرواية والمسرح والخطاب البصري العربي، خصوصاً عندما يهيمن التفسير على حساب التجربة الفنية. وينطبق الأمر نفسه على اللوحة والخط العربي والتصميم البصري، فعندما نتأمل لوحة خطية، لا يكفي أن نفهم العبارة المكتوبة؛ علينا أيضاً أن ننتبه إلى توزيع الكتل، وتوازن الحروف، والفراغ، وتباين الألوان، وعلاقة الكتابة بالخلفية وعندما نشاهد مشهداً سينمائياً، ينبغي أن نسأل كيف صنعت الإضاءة والتكوين وحركة الكاميرا أثره، لا أن نكتفي باستخراج رسالة أخلاقية منه ، بهذه الطريقة يصبح النقد أكثر قدرة على تفسير التجربة الفنية من دون أن يختزلها.

نقاط القوة والحدود في مشروع سونتاغ

إعادة الاعتبار إلى الحواس والتجربة المباشرة في فهم الفن.

التنبيه إلى خطورة إسقاط النظريات الجاهزة على الأعمال الإبداعية.

توسيع مفهوم الأسلوب ليشمل الطريقة التي يتكون بها المعنى.

الربط بين الأدب والمسرح والسينما والثقافة الشعبية.

.تدريب القارئ على ملاحظة تفاصيل العمل قبل إصدار الحكم عليه

الحدود والأسئلة النقدية

.قد يُساء فهم الدعوة إلى مقاومة التأويل وكأنها دعوة إلى ترك التحليل، مع أن الأعمال الفنية قد تحتاج إلى تفسير تاريخي واجتماعي عميق

.لا يمكن دائماً فصل التجربة الحسية عن المعرفة السابقة؛ فخلفية المشاهد تؤثر في ما يراه ويفهمه

.قد تصبح الدعوة إلى الحساسية الجمالية نفسها موقفاً نظرياً يحتاج إلى توضيح وتطبيق

.لا يكفي وصف الأثر الجمالي وحده لفهم علاقات السلطة والتمثيل والإقصاء التي قد يتضمنها العمل

هذه الحدود لا تلغي أهمية الكتاب، بل تجعل قراءته أكثر فائدة. يمكن الاستفادة من سونتاغ بوصفها تصحح اختلالاً في النقد، لا بوصفها تقدم قاعدة تمنع كل تأويل أو تفسير.

الخلاصة الفكرية

يمكن تلخيص المشروع النقدي لسونتاغ في خمس أفكار مترابطة:

*الفن تجربة قبل أن يكون مسألة تفسيرية. ينبغي أن نمنح العمل فرصة للتأثير فينا قبل أن نفرض عليه تفسيراً

*الشكل عنصر منتج للمعنى. لا يمكن فهم العمل من خلال رسالته المجردة وحدها

*المعنى ليس دائماً واحداً أو نهائياً. قد يفتح العمل الفني إمكانات متعددة للفهم

*النقد الجيد يبدأ بالملاحظة الدقيقة. على الناقد أن يصف كيف يعمل العمل قبل أن يحكم عليه

*الثقافة أوسع من القواعد الجمالية التقليدية. تستحق أشكال الفن والثقافة الحديثة أن تُدرس بجدية، حتى عندما تتحدى الذوق المألوف

الحكم النهائي على الكتاب

تكمن أهمية «ضد التأويل ومقالات أخرى» في أنه يغير السؤال الذي نطرحه على الفن. بدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن الرسالة المخفية، يدعونا إلى الاهتمام بكيفية تشكل التجربة الجمالية نفسها.

إنه كتاب مهم لكل من يشتغل بالنقد الأدبي أو الفن التشكيلي أو المسرح أو السينما أو الخطاب البصري، ولكل قارئ يريد أن يطور ذائقته ويصبح أكثر دقة في وصف ما يقرأه أو يشاهده. ولا تكمن قيمته في أن نتوقف عن التفكير في الفن، بل في أن نفكر فيه بطريقة لا تطمس ما يجعله فناً.

سوزان سونتاغ 

( 1933 / 2004 )

………………………

هي كاتبة وناقدة ومخرجة أمريكية بارزة، تُعد من أكثر المثقفين الأمريكيين تأثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين تميزت سونتاغ بحدة فكرها، وجرأتها النقدية، وقدرتها الفائقة على تحليل العلاقة المعقدة بين الثقافة، والفن، والسياسة..

تحدت في مقالاتها المحورية التي جمعتها في مجموعات مثل ضد التأويل والمرض كاستعارة التصورات السائدة، داعية إلى تفكيك الأساطير وتأكيد المباشرة الحسية للفن.

لقد كانت سونتاغ صوتا نقديا معاصرا، حيث لم تكتف بالتحليل الأكاديمي، بل شاركت بفاعلية في قضايا زمنها، وظلت رمزا للكاتب الذي يجمع بين التأمل النظري والاشتباك العملي مع العالم.