مكتبة نمتار الذكية ..|| اياد القيسي “|| الأنثى المأزومة عند جورج طرابيشي

Loading

المقدمة

تحت الطبع «الأنثى المأزومة عند جورج طرابيشي»، وهو مرتبط بمشروع طرابيشي النقدي في دراسة صورة المرأة وعلاقة الرجولة والأنوثة بالبنية الاجتماعية والثقافية، ولا سيما كتابه «شرق وغرب: رجولة وأنوثة – دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية» الصادر عن دار الطليعة.

ينطلق طرابيشي من أن صورة المرأة في الأدب العربي ليست مجرد صورة لشخصية روائية، وإنما يمكن أن تكشف عن البنية النفسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع.

فالطريقة التي يصور بها الكاتب المرأة، وعلاقته بها، وطريقة توزيع أدوار السيطرة والخضوع بين الرجل والمرأة، يمكن أن تكشف عن تصورات أعمق تتعلق بـ:

السلطة.

الرجولة.

الأنوثة.

الخوف من الآخر.

الشعور بالنقص.

العلاقة بين الشرق والغرب.

أثر المجتمع الأبوي في تكوين الفرد.

وقد ذكر طرابيشي نفسه في حوار معه أن اهتمامه بالمرأة ظل حاضرًا في مشروعه النقدي، وأنه انتقل تدريجيًا من التفسير الأيديولوجي إلى الاستفادة من التحليل النفسي في قراءة الشخصيات والعلاقات الأدبية.

ماذا يعني «الأنثى المأزومة»؟

المقصود ليس أن المرأة بطبيعتها مأزومة، وإنما أن المرأة داخل منظومة اجتماعية وثقافية معينة قد تعيش حالة من الصراع بين ذاتها وبين الصورة التي يفرضها المجتمع عليها فتنشأ المشكلة عندما تُعرَّف المرأة باستمرار من خلال علاقتها بالرجل. امرأة باعتبارها زوجة، أو ابنة، أو أمًا، أو موضوعًا لرغبة الرجل، أو رمزًا لشرف الأسرة.وبذلك تصبح هويتها الفردية أقل حضورًا من الدور الاجتماعي المفروض عليها

وتتناول دراسة أكاديمية لمفهوم «الأنثى المأزومة عند طرابيشي» هذه المسألة من خلال أعمال الكاتبة الفلسطينية سميرة عزام، وتربطها بمحاولة الكتابة النسائية إثبات هوية المرأة المستقلة ومقاومة الخطاب الذكوري المهيمن.

المرأة بين الاستقلال والتبعية

من أهم الأفكار التي تظهر في هذا الاتجاه من تحليل طرابيشي أن الأزمة لا تكمن فقط في القهر الخارجي بل يمكن أن تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما تتحول القيم الاجتماعية إلى قناعات داخلية، أي أن الفرد قد يتبنى، مع مرور الوقت، الصورة التي رسمها المجتمع له.وهنا يصبح الصراع على مستويين :

المستوى الأول :

المجتمع يضع قيودًا على المرأة

المستوى الثاني:

المرأة نفسها قد تبدأ في النظر إلى ذاتها من خلال هذه القيود

وهذا ما يجعل التحرر أصعب؛ لأن المشكلة لم تعد قانونًا أو عادةً خارجية فقط، بل أصبحت جزءًا من الوعي الداخلي.

الزواج في القراءة النقدية

ينظر طرابيشي إلى الزواج في بعض الأعمال الأدبية بوصفه مجالًا مهمًا لاختبار العلاقة بين الرجل والمرأة ، فالعلاقة يمكن أن تكون شراكة وتكاملًا او علاقة سلطة وسيطرة.

وفي الحالة الثانية قد تتحول المرأة من إنسان مستقل إلى شخص يبحث عن الحماية، بينما يتحول الرجل إلى صاحب السلطة والقرار، ومن هنا تصبح العلاقة الزوجية مرآة لبنية المجتمع نفسه.وهذه الفكرة مهمة لأن طرابيشي لا يتعامل مع العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها قضية شخصية فقط، وإنما يربطها أحيانًا بالبنية الاجتماعية والحضارية الأوسع.

الرجولة والأنوثة كرمزين

من أكثر أفكار طرابيشي إثارة للاهتمام أنه لا يحصر مفهومي الرجولة والأنوثة في الجانب البيولوجي فقد تتحول هذه المفاهيم إلى رموز ثقافية:

الرجولة = القوة والسيطرة والفعل

الأنوثة = الضعف والخضوع والتلقي

عندما تتحول هذه الثنائية إلى قاعدة اجتماعية، فإنها لا تؤثر فقط في العلاقة بين الرجل والمرأة، بل يمكن أن تنتقل إلى علاقة الإنسان بالعالم.وهذه إحدى الأفكار الأساسية التي تظهر في قراءة كتاب «شرق وغرب: رجولة وأنوثة»؛ إذ يدرس طرابيشي كيف يمكن أن تُستخدم العلاقة بين الذكر والأنثى رمزيًا للتعبير عن علاقة الشرق بالغرب.

العلاقة بين الشرق والغرب

هذه النقطة أساسية جدًا في كتاب طرابيشي فهو يقرأ عددًا من الروايات العربية باعتبارها تكشف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن علاقة المثقف العربي بالغرب وفي بعض الأعمال يمكن أن تصبح المرأة الغربية رمزًا للغرب، بينما يمثل الرجل الشرقي الشرق وبذلك تصبح العلاقة العاطفية أو الجنسية في الرواية حاملة لمعنى حضاري وسياسي أوسع.

فبدل أن تكون العلاقة:

رجل وامرأة فقط

تصبح رمزيًا:

شرق وغرب

متقدم ومتأخر

قوي وضعيف

فاعل ومنفعل

وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل الكتاب دراسة في «أزمة الجنس والحضارة» وليس مجرد دراسة عن المرأة.

عقدة النقص وعلاقة الشرق بالغرب

يستخدم طرابيشي أدوات من التحليل النفسي الفرويدي لفهم بعض الشخصيات والعلاقات في الرواية والفكرة الأساسية هنا أن الشعور الحضاري بالنقص قد يبحث عن تعويض.فإذا شعر الإنسان أو المجتمع بأنه أقل من الآخر، فقد يحاول إثبات تفوقه في مجال آخر وفي بعض الروايات التي درسها طرابيشي يظهر هذا التعويض من خلال تحويل العلاقة بالمرأة إلى وسيلة لإثبات القوة والرجولة.

وقد شرح طرابيشي في حواره أن اهتمامه بالتحليل النفسي جاء من اهتمامه بالأسئلة المتعلقة بالأنوثة والرجولة، وأنه رأى في التحليل النفسي أداة لفهم بعض الدوافع اللاواعية وراء الصور الأدبية.

المرأة في الأدب ليست مجرد شخصية

منهج طرابيشي يقوم على قراءة الشخصية الأدبية باعتبارها علامة ثقافية

فحين يصور الروائي امرأة معينة بطريقة محددة، يمكن أن نسأل:

لماذا اختار الكاتب هذه الصورة؟

لماذا جعل المرأة ضعيفة أو قوية؟

لماذا جعل الرجل مسيطرًا؟

لماذا تتحول المرأة إلى رمز للغرب؟

لماذا يخاف بعض الأبطال من المرأة؟

لماذا تظهر المرأة أحيانًا كموضوع للرغبة وأحيانًا كتهديد؟

ماذا تكشف هذه الصورة عن المجتمع الذي أنتج الرواية؟

وبهذا ينتقل النقد من وصف الشخصية إلى تحليل البنية النفسية والاجتماعية الموجودة خلفها.

المرأة والكتابة والإبداع

من القضايا المهمة أيضًا علاقة المرأة بالكتابة، فالمرأة عندما تدخل المجال الثقافي لا تدخل دائمًا إلى فضاء محايد؛ إذ يمكن أن تواجه منظومة أدبية تشكلت تاريخيًا في ظل حضور ذكوري قوي ولهذا تهتم الدراسات المرتبطة بطرابيشي بالسؤال:

هل تستطيع المرأة أن تنتج خطابًا أدبيًا يعبر عن تجربتها الخاصة؟

أم أنها تضطر إلى استخدام اللغة والصور والقوالب التي صنعها الخطاب الذكوري؟

وتشير الدراسة الأكاديمية حول طرابيشي وسميرة عزام إلى أن الكتابة الأنثوية يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإثبات الهوية الأنثوية المستقلة ومواجهة الهيمنة الذكورية.

سميرة عزام نموذجًا

في الدراسات التي تناولت مفهوم «الأنثى المأزومة عند طرابيشي»، تُستخدم سميرة عزام نموذجًا تطبيقيًا والهدف هو دراسة كيف تظهر معاناة المرأة داخل النص الأدبي، وكيف تستطيع الكتابة أن تكشف عن التناقض بين:

ما تريده المرأة لنفسها و مايريده المجتمع منها

ومن هنا تصبح الشخصية الأنثوية مجالًا لدراسة الهوية، والحرية، والعلاقة مع الرجل، والقيود الاجتماعية.

يمكن القول إن طرابيشي يجمع بين أكثر من مستوى في القراءة:

النقد الأدبي

دراسة الشخصية والرواية

التحليل النفسي

البحث عن الدوافع والرغبات والصراعات اللاواعية

علم الاجتماع

ربط الشخصية بالبنية الاجتماعية

التحليل الحضاري

فهم علاقة الشرق بالغرب

ولهذا وُصف كتاب «شرق وغرب: رجولة وأنوثة» بأنه نموذج لدراسة الرواية العربية من زاوية الانعكاسات الاجتماعية والحضارية، لا من زاوية الأسلوب والبناء الفني فقط.

الخلاصة

يمكن تلخيص الفكرة الكبرى هكذا:

طرابيشي لا يدرس المرأة بمعزل عن المجتمع؛ بل يدرس صورة المرأة باعتبارها مفتاحًا لفهم المجتمع نفسه فإذا كانت المرأة خاضعة، فالسؤال يصبح:

ما نوع النظام الاجتماعي الذي أنتج هذا الخضوع؟

وإذا كان الرجل يحتاج باستمرار إلى إثبات رجولته، فالسؤال يصبح:

ما مصدر هذا القلق؟

وإذا أصبحت المرأة رمزًا للغرب في الرواية، فالسؤال يصبح:

لماذا تحولت العلاقة الحضارية بين الشرق والغرب إلى علاقة رمزية بين رجل وامرأة؟

ومن هنا تتداخل عند طرابيشي المرأة والجنس والرجولة والأنوثة والسلطة والهوية والغرب والتحليل النفسي في مشروع نقدي واحد. وتؤكد مصادر عن مشروعه الفكري أن قضية المرأة كانت من الموضوعات المركزية في أعماله النقدية المبكرة.

“الأنثى المأزومة ” عند طرابيشي هي صورة للمرأة حين تتقاطع معها السلطة الاجتماعية والأبوية مع الصراع النفسي والهوية الثقافية. ومن خلال تحليل الرواية العربية، يحاول طرابيشي الكشف عن الطريقة التي تتحول بها الرجولة والأنوثة من صفات فردية إلى رموز للسيطرة والخضوع، بل وإلى رموز لعلاقة الشرق بالغرب. ولذلك تصبح صورة المرأة في الأدب مدخلًا لفهم أزمات المجتمع العربي النفسية والاجتماعية والحضارية.

نبذه عن حياة ( جورج الطرابيشي)

جورج طرابيشي (1939م – 16 مارس 2016م)، مفكر وكاتب وناقد ومترجم عربي سوري. تخصص في نقد الأدب وشرب من ينابيع الفلسفة الوجودية والتحليل النفسي،  وترجم عشرات الكتب والمؤلفات ثم خصص ربع قرن من حياته لنقد المشروع الفكري ل( محمد  عابد الجابري ) موجها له انتقادات لاذعه.

توفي في 16 مارس 2016 في العاصمة الفرنسية باريس