قراءة في كتاب “الماركسية والتمركس والماركسلوجيا” للمفكر العراقي  د.عبد الحسين شعبان* ..توقف عند بعض شطحات ماركس

Loading

نمتار / اياد القيسي

المقدمة:

يتناول  كتاب جديد للمفكر والأكاديمي العراقي د. عبد الحسين شعبان وحمل عنوان ” الماركسية والتمركس والماركسلوجيا” وهو يتناول من موقع نقدي الماركسية السائدة وما لحقها من تشويهات واستكانة لليقينيات وجمود عقائدي، ناهيك عن تحلل واستدارة على الضد منها. ويتوقف الكاتب عند ماركس ومنهجه الذي يعتبره ما يزال صحيحاً ويحتاج إلى الاستفادة من المناهج الحديثة الأخرى، ويسلط الضوء على تعاليمه التي لم يعد الكثير منها صالحاً، فضلاً عن أن بعضها قد تخطاه الزمن، ويتناول في هذا الصدد بعض شطحات ماركس.

‎ويواصل الكاتب منهجه النقدي للماركسية في تطبيقاتها التي أخفقت في تقديم السمة الإنسانية ، دون أن ينسى مناقشة ماركسيتنا ” العربية” طيلة العقود الستة المنصرمة، والتي تم التعامل معها كأيقونة أو دين ، في حين نحتاج إلى استنباط أحكامنا تبعاً لظروفنا الاجتماعية.

يمكن تقسيم  المحاور الفكرية والمفاهيم الأساسية التي يشير إليها عنوان الكتاب.

أولاً: الفكرة العامة للكتاب

ينطلق موضوع الكتاب، بحسب عنوانه، من تقاطع ثلاثة مجالات فكرية: الماركسية، والتمركس، والماكروسوسيولوجيا؛ أي دراسة المجتمع على نطاق واسع، من خلال مؤسساته وطبقاته واقتصاده وسلطته وتحولاته التاريخية.وتكمن أهمية الجمع بين هذه المجالات في محاولة فهم أسئلة من قبيل:

لماذا تتماسك بعض المجتمعات، بينما تتعرض مجتمعات أخرى للتفكك والانقسام؟

ما دور الاقتصاد والصراع الطبقي في تشكيل العلاقات الاجتماعية؟

كيف تؤثر السلطة السياسية والأيديولوجيا في وعي الناس وسلوكهم؟

هل يمكن تفسير الأزمات الاجتماعية بأسباب اقتصادية فقط، أم أن هناك عوامل سياسية وثقافية وتاريخية أيضاً؟

لفهم هذه الأسئلة، من المفيد أن نبدأ بالمفاهيم الأساسية التي يقوم عليها هذا المجال من الفكر الاجتماعي.‏

ثانياً: المحور الأول — الماركسية وكيفية تفسير المجتمع

تُعد الماركسية من أبرز الاتجاهات الفكرية التي حاولت تفسير المجتمع والتاريخ من خلال دراسة الإنتاج الاقتصادي والعلاقات بين الطبقات الاجتماعية.

1. الاقتصاد وعلاقته بالمجتمع

تؤكد المقاربة الماركسية أن طريقة إنتاج الثروة وتوزيعها تؤثران بعمق في بنية المجتمع فالمجتمع لا يتكون من أفكار ومعتقدات فقط، بل من علاقات مادية أيضاً، مثل:

من يمتلك الأراضي والمصانع ورأس المال؟

من يعمل وينتج؟

من يحصل على الأرباح؟

كيف تتوزع الفرص والثروة؟

كيف تؤثر المصالح الاقتصادية في القرارات السياسية؟

مثال: عندما تتركز الثروة في أيدي فئة صغيرة، بينما تعاني فئات واسعة من ضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، يمكن أن تنشأ توترات اجتماعية ومطالب بالإصلاح والتغيير. لا يعني ذلك أن الاقتصاد يفسر كل شيء، وإنما أنه أحد المفاتيح المهمة لفهم العلاقات الاجتماعية.

2. الصراع الطبقي

يرى الفكر الماركسي أن المصالح الاقتصادية المتعارضة بين الطبقات قد تؤدي إلى صراع اجتماعي ومن الأمثلة التقليدية على ذلك:

. أصحاب رأس المال الذين يسعون إلى حماية استثماراتهم وزيادة الأرباح

 العمال الذين يسعون إلى تحسين الأجور وظروف العمل وضمان الحقوق.

وقد يظهر هذا الصراع من خلال الإضرابات والنقابات والحركات السياسية والتشريعات العمالية، لكن الصراع الطبقي ليس بالضرورة عنفاً أو ثورة؛ فقد يُدار عبر التفاوض والقانون والإصلاحات الاجتماعية.

3. الأيديولوجيا والوعي

الأيديولوجيا هي مجموعة الأفكار والتصورات التي يستخدمها الناس لتفسير المجتمع وتبرير نظامه أو تغييره. وتثير القراءة الماركسية أسئلة مهمة، منها: هل تعكس الأفكار السائدة مصالح الفئات صاحبة النفوذ؟ وهل يمكن أن تجعل بعض الأوضاع غير العادلة تبدو طبيعية أو حتمية؟

مثلاً، قد يُفسَّر الفقر على أنه نتيجة تقصير فردي فقط، مع إهمال البطالة وضعف التعليم وتفاوت الفرص. هنا يصبح التحليل الاجتماعي وسيلة للتمييز بين مسؤولية الفرد وتأثير البنية الاجتماعية.

ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن كل فكرة يتبناها أصحاب النفوذ خاطئة، أو أن جميع الأفكار مستقلة تماماً عن مصالحهم؛ فالعلاقة بين الفكر والمجتمع أكثر تعقيداً.

ثالثاً: المحور الثاني — ماذا يعني التفكك الاجتماعي؟

التفكك الاجتماعي هو ضعف الروابط التي تجعل المجتمع قادراً على التعاون والتضامن وتسوية الخلافات بطرق مقبولة. ولا يعني مجرد اختلاف الناس في آرائهم أو انتماءاتهم، بل يشير إلى تراجع الثقة والتعاون والقدرة على إدارة الاختلاف.

1.أبرز مظاهر التفكك

أ. التفكك الاقتصادي

اتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية، وتراجع فرص العمل، وضعف الحماية الاجتماعية، والشعور بأن الثروة والفرص موزعتان بصورة غير عادلة.

ب. التفكك السياسي

تراجع الثقة بالمؤسسات، وضعف المشاركة، وتحول الاختلاف السياسي إلى عداوة، أو لجوء الجماعات إلى القوة بدلاً من القانون.

ج. التفكك الثقافي والاجتماعي

ضعف الروابط بين الأجيال أو الجماعات، وانتشار الصور النمطية، وتراجع الثقة المتبادلة، وصعوبة الوصول إلى قيم مشتركة تحترم التنوع.

2. ما أسباب التفكك

يمكن تحليل أسباب التفكك من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة:

التفاوت الاقتصادي: عندما يشعر الناس أن النظام لا يمنحهم فرصاً متكافئة.

ضعف المؤسسات: عندما لا تطبق القوانين بصورة عادلة أو تفقد المؤسسات ثقة المواطنين.

التمييز والإقصاء: عندما تُحرم جماعات من المشاركة أو الحقوق أو الفرص.

الاستقطاب الأيديولوجي: عندما تتحول المعتقدات السياسية إلى أدوات لتقسيم المجتمع إلى معسكرات متعادية.

الأزمات والحروب: لأنها قد تدمر المؤسسات وتزيد النزوح والفقر وتضعف الثقة بين الجماعات.

ومن المهم التمييز بين السبب والنتيجة: فالفقر قد يزيد التوتر الاجتماعي، لكن الصراع السياسي نفسه قد يؤدي أيضاً إلى الفقر. لذلك يحتاج التحليل إلى دراسة العلاقة المتبادلة بين العوامل.

3. هل التفكك نتيجة الاقتصاد وحده؟

لا. يمكن الاستفادة من التحليل الماركسي لفهم التفاوت والمصالح الطبقية، لكن التفكك قد يرتبط كذلك بأسباب تاريخية وثقافية ودينية ومؤسسية ونفسية.ولهذا فإن الدراسة الجادة لا تختزل المجتمع في عامل واحد، بل تحاول معرفة كيف تتفاعل هذه العوامل بعضها مع بعض.

رابعاً: المحور الثالث — الماكروسوسيولوجيا: دراسة المجتمع الكبير

الماكروسوسيولوجيا، أو علم الاجتماع الكلي، هي منهج يدرس المجتمع على مستوى واسع، بدلاً من الاقتصار على سلوك الأفراد أو العلاقات داخل الأسرة والجماعات الصغيرة وهي تهتم بالطبقات الاجتماعية والدولة والاقتصاد والمؤسسات والتحولات التاريخية والحركات الجماعية.

ولا يعني هذا أن المنهجين منفصلان؛ إذ يمكن تفسير الظواهر الكبرى بالاستفادة من فهم السلوك الفردي، كما يمكن فهم سلوك الأفراد من خلال الظروف الاجتماعية المحيطة بهم.

1. المجتمع بوصفه منظومة مترابطة

من منظور علم الاجتماع الكلي، لا تعمل المؤسسات بمعزل بعضها عن بعض

فالتعليم يؤثر في فرص العمل، والعمل يؤثر في الدخل، والدخل يؤثر في السكن والصحة، والسياسات الحكومية تؤثر في توزيع الفرص، والإعلام يؤثر في تصورات الناس عن الواقع.

مثلاً، إذا تراجع مستوى التعليم في منطقة معينة، فقد تقل فرص العمل المتاحة لسكانها. وإذا ارتفعت البطالة، فقد تزداد الهجرة أو تتراجع الثقة بالمؤسسات. وقد تؤدي هذه التحولات بدورها إلى إضعاف الاقتصاد المحلي.

هذه السلسلة توضح لماذا لا يكفي تفسير المشكلات الاجتماعية بالقول إن الأفراد لا يجتهدون؛ إذ يجب أيضاً فحص الظروف المؤسسية والاقتصادية التي يعملون ضمنها.

2. أهمية التاريخ

لا يمكن فهم المجتمع الحالي من دون معرفة كيفية تشكله فالحروب، والتحولات الاقتصادية، وبناء الدولة، والتغيرات في ملكية الأراضي، وانتشار التعليم، والتحولات في بنية الطبقات؛ كلها عوامل قد تترك آثاراً طويلة الأمد.

وهنا تظهر أهمية المنهج التاريخي في التحليل الاجتماعي: فهو لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يسأل عن نشأتها، والمراحل التي مرت بها، والأسباب التي جعلتها تستمر أو تتغير.

خامساً: العلاقة بين الماركسية والتفكك والماكروسوسيولوجيا

هذا هو التقاطع الفكري الأهم الذي يمكن استكشافه من خلال عنوان الكتاب

يمكن تلخيص العلاقة بين المفاهيم الثلاثة كما يأتي:

.الماركسية

.تحليل الإنتاج والثروة والطبقات والمصالح

الماكروسوسيولوجيا.

دراسة المؤسسات والبنى الاجتماعية والتحولات الكبرى .

.تحليل التفكك الاجتماعي

.فهم ضعف الروابط والثقة والتماسك وأسباب الأزمات

هذا المخطط يوضح طريقة ممكنة للربط بين المفاهيم، وليس مخططاً مؤكداً لفصول الكتاب. ومن خلال هذا الربط، يمكن طرح ثلاث فرضيات تحليلية:

1. قد يسهم التفاوت الاقتصادي في إضعاف الشعور بالانتماء إلى مجتمع واحد

قد تزيد المؤسسات غير العادلة من حدة الصراعات بين الجماعات.

2. قد يؤدي تراجع الثقة والتضامن إلى إضعاف قدرة المجتمع على معالجة أزماته الاقتصادية والسياسية.

3. لكن هذه الفرضيات تحتاج إلى اختبار من خلال الوقائع والبيانات، ولا يصح اعتبارها قوانين حتمية تنطبق على جميع المجتمعات.

سادساً: كيف نستفيد من هذا المنظور في فهم الواقع العربي والعراقي؟

يمكن تطبيق أدوات التحليل الاجتماعي على واقع العراق والمجتمعات العربية، مع مراعاة خصوصية كل بلد وتاريخه.

1. الاقتصاد والعدالة الاجتماعية

يمكن دراسة العلاقة بين فرص العمل، وتوزيع الموارد، وجودة الخدمات، والقدرة على تحقيق الاستقرار الاجتماعي.

والسؤال المهم هنا: إلى أي مدى تتيح المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية فرصاً عادلة لمختلف الفئات؟

2. الدولة والمؤسسات

يمكن تحليل أثر سيادة القانون، وفاعلية الإدارة العامة، والثقة بالمؤسسات، ومدى قدرة الدولة على تقديم الخدمات وحماية الحقوق. فالمؤسسات التي تعمل وفق قواعد واضحة وعادلة يمكن أن تساعد على تسوية النزاعات، بينما قد يؤدي ضعفها إلى زيادة الاعتماد على الروابط الضيقة أو مراكز النفوذ غير الرسمية.

3. الهوية والتعددية

تضم المجتمعات جماعات ذات انتماءات ومصالح وتصورات مختلفة. ولا تؤدي التعددية بالضرورة إلى التفكك؛ فقد تصبح مصدر قوة عندما تتوافر المواطنة المتساوية والحقوق المشتركة وآليات الحوار ، أما حين تتحول الهوية إلى وسيلة للإقصاء أو التمييز، فقد تتراجع الثقة بين المواطنين.

4. التعليم والإعلام والوعي

يمكن دراسة كيفية تأثير المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي في تشكيل تصورات الناس عن العدالة والسلطة والآخر المختلف والهدف ليس فرض رأي واحد، بل تعزيز القدرة على التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، واحترام الاختلاف، والتمييز بين النقد الفكري والتحريض.

سابعاً: التقييم النقدي للأفكار الماركسية

من المهم ألا نتعامل مع أي نظرية اجتماعية بوصفها تفسيراً نهائياً لكل الظواهر

أبرز نقاط القوة في المنظور الماركسي.

لفت الانتباه إلى أثر الاقتصاد وعلاقات الإنتاج في تشكيل المجتمع.

تحليل التفاوت الطبقي وتوزيع الثروة والسلطة.

إظهار العلاقة بين المصالح الاقتصادية والصراعات السياسية.

تقديم أدوات لفهم الاستغلال والعمل والأزمات الاقتصادية.

أبرز المسائل التي تستدعي النقد:

. قد يؤدي التركيز المفرط على الاقتصاد إلى إهمال الثقافة والدين والقومية والعوامل النفسية

لا تتطور جميع المجتمعات وفق مسار تاريخي واحد.

لا يمكن تفسير كل صراع اجتماعي باعتباره صراعاً طبقياً.

قد تختلف النتائج السياسية والاجتماعية حتى بين مجتمعات تتشابه في ظروفها الاقتصادية كما يجب التمييز بين أفكار ماركس الأصلية، والتفسيرات التي قدمتها الحركات والأحزاب الماركسية المختلفة، والتجارب التاريخية للدول التي تبنت سياسات مستلهمة من الماركسية. فهذه ليست شيئاً واحداً.

ثامناً: الخلاصة الفكرية

يمكن تلخيص الفائدة الأساسية من قراءة هذا الموضوع في أن المجتمع ليس مجرد مجموعة من الأفراد، بل منظومة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية والمؤسسية، ولفهم الأزمات الاجتماعية، ينبغي أن نسأل:

كيف تتوزع الثروة والفرص؟

كيف تعمل المؤسسات؟

ما طبيعة العلاقات بين الطبقات والجماعات؟

كيف تتشكل الأفكار السائدة؟

ما الأسباب التاريخية التي أدت إلى الوضع الحالي؟

ما السياسات التي يمكن أن تعالج المشكلات من دون تعميق الانقسامات؟

كيف تتشكل الأفكار السائدة؟

ما الأسباب التاريخية التي أدت إلى الوضع الحالي؟

 ما السياسات التي يمكن أن تعالج المشكلات من دون تعميق الانقسامات؟

والأهم هو الجمع بين التحليل الاقتصادي والتاريخي والسياسي والثقافي، بدلاً من الاعتماد على تفسير واحد.

*عبد الحسين عبد العزيز شعبان مفكر سياسي عراقي يساري، وُلدَ في محلة عكد السلام بمدينة النجف ونشأ فيها، ثم تخرّج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد، له شهادة دكتوراه في العلوم القانونية، ذو خبرة في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي وكتابة الدساتير، وله أكثر من 60 كتاباً كما له مقالات وأبحاث.