![]()
نمتار- القاهرة/ السعداوي الكافوري

نص جرئ وكتابة ترش الملح على جراح الذات والوطن من خلال لغة شفيفة تتماس مع تخوم الشعر وإسلوب بسيط وسهل وبناء سردى رصين محكم ومتماسك ورؤية تستلهم الماضى وتشتبك مع الواقع وتستشرف أفاق المستقبل جاءت رواية ” التابو المنافق ” وكأنها مكتوبة بحبر القلب فالرواية تندرج تحت لافتة مايسمى بأدب البوح حيث تصير الشخصانية أساس وضمير المتكلم ضرورة والكشف قاعدة لإنطلاق الحكى ، فإتسمت سطور الرواية بالمصارحة وجاءت أحداثها تعانق أطراف الواقع.
فالكاتبة تكتب وكأنها تحكى عن مأساة بحجم الكون وفى حكيها الممتع والمثير ترش الملح الأجاج على جراح الذات والوطن ، فبطلة الرواية تعيش فى مجتمع عنصرى مغلق تحكمه المذهبية وتتحكم بمقدراته قيم متخلفة وعادات رجعية ونسق ثقافى ينتصر للرجل مما يخلق نوعا من الكبت يفضى إلى ممارسات شاذة وسلوكيات فى غاية الهمجية والمروق ، فمنذ أن تفتح وعى البطلة وإحتكت بالمجتمع حتى قابلت نوعا جديدا للإمتاع على يد طفلة تكبرها ، ولعل هذا السلوك السرى هو نتاج مجتمع منغلق يعتنى بالمظهر ولايلقى بالا بالجوهر ويفر من الموضوع إلى الشكل و ويهرب من الحقيقة إلى الوهم عبر حجب داكنة من كلمات مثل العيب والحرام.

ثم كانت تجربة البطلة الثانية حينما تمنت أن تعيش فعل الحب مأساوية ومدمرة حيث فقدت خلالها غشاء بكارتها الدليل الأوحد على العفة والطهارة لدى المجتمع الذى تنتمى إليه فهذا الغشاء هو مقياس الكرامة وترمومتر الإلتزام ورمز الشرف الذى كما يقولون فى الأفلام المصرية مثل عود الكبريت يشتعل مرة واحدة ويخبو إلى الأبد .
وتتضح الرؤية شيئا فشيئا ويكتمل لدى قارئ الرواية أن الكاتبة تمتلك أدواتها ومدججة بوعى عميق حينما أحبت البطلة شابا ينتمى إلى المؤسسة العسكرية وهنا يقفز على سطح الذاكرة سؤال مؤداه هل هذه البطلة رمزا للوطن المستلب والمجتمع المستباح ؟ فهذا البطل الذى توسمت فيه المنقذ والمخلص الذى سوف يتحمل وضعها ويتقبلها كما هى لا كما ينبغى أن تكون إلا أنه ومنذ اللقاء الأول إحتشدت صفحات الرواية بالمعارك والمشاجرات وانتهت بمرضه النفسى وإطلاقه للأعيرة النارية واحداث العديد من المشكلات ، وبالتالى أرى أن الكاتبة لاتكتب التاريخ السرى لحياتها بل تؤرخ من خلال روايتها هذه لوطنها ومجتمعها الكبير فى دلالة تشير بجلاء على عمق موهبة الكاتبة وأصالتها بل وتجذر إنتماءاتها رغم الرحيل .
وبالتالى نحن بإزاء كتابة تحفر عميقا فى سراديب الروح ولاتنسى فى آن قضايانا الكبرى وهمومنا العامة كوطن وكمجتمع عبر تكنيك يضفر الشخصى مع العام ويمزج الواقعى بالمتخيل فى سردية دالة وقوية ومتماسكة وتراعي أصول وأساسيات الفن الروائى ، وتكتمل مأساة الكاتبة فى تجربتها الثالثة حينما أحبت أجنبيا وكأن الوطن قد ولى وجهه قبل الأخر المغاير لقيمنا وثقافتنا لعله يجد مايسره ، ورغم التفاهم والإرتياح اللذان غلفا وصاحبا هذه العلاقة إلا إنها إنتهت بالموت ، وهنا تتبدى القيم الوطنية للكاتبة فهى تريد أن تقول إن التوسل بالأجنبى لن يدوم ، وبالتالى فالكاتبة قدمت نصا فارقا على مضمار الكتابة النسوية يتسم بالجرأة ويعتمد الوضوح .
وبالرغم من بعض الهنات البسيطة بالرواية مثل ضعف التراكيب مثل ” كنت كثيرا ألتصق بأهداب ثوبها ” و ، وكأن تيارا ذا فولتية عالية ” فى بضع مواضع وبعض الكلمات الخطأ مثل ” نستخدمها لخزن ” وصوابها لتخزين ، وقولها وكانت والدتى مشغولة بضفر شعرى وصوابها بتضفير شعرى ” إلا أن الكاتبة قد جاءت بعمل يسد نقصا بالمكتبة العربية التى تحتشد عن أخرها بكتب تغنى للفضيلة على الملأ وتنتهكها فى الخفاء وتقدس التابوهات على المنابر وتمسح بها الأرض فى الغرف المغلقة.









