أنا ونمتار..الجامعات العراقية في عصر الذكاء الاصطناعي..هل نحن أمام ثورة في التعليم أم مجرد تغيير في أدواته؟

The entrance to the University of Baghdad

Loading

(الحلقة الأولى)

نمتار / عماد آل جلال

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ابتكار تكنولوجي جديد يضاف إلى سلسلة الاكتشافات العلمية التي عرفتها البشرية، بل أصبح تحولاً معرفياً وحضارياً يعيد تشكيل أنماط الحياة والعمل والإنتاج والتفكير، ويفرض على المؤسسات التعليمية والأكاديمية مراجعة عميقة لوظائفها ومناهجها وأساليب عملها. وإذا كانت الثورات الصناعية السابقة قد غيرت طبيعة الإنتاج ووسائله، فإن الثورة الراهنة تذهب إلى أبعد من ذلك، لأنها تمس العقل الإنساني نفسه، وتعيد طرح الأسئلة المتعلقة بإنتاج المعرفة، ومصادرها، وطرق اكتسابها، وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة.

وفي قلب هذا التحول تقف الجامعة باعتبارها المؤسسة الأكثر ارتباطاً بإنتاج المعرفة ونقلها وتطويرها، والأكثر مسؤولية عن إعداد الأجيال القادرة على التعامل مع المتغيرات العلمية والتكنولوجية. فالجامعة التي كانت تؤدي دورها التقليدي من خلال التدريس والبحث العلمي ومنح الشهادات الأكاديمية، أصبحت مطالبة اليوم بإعادة النظر في مفهوم التعليم ذاته، وفي طبيعة المهارات التي ينبغي أن يمتلكها خريجوها، وفي الأدوار التي يتعين على أساتذتها ومؤسساتها الاضطلاع بها في عالم تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة غير مسبوقة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يكون في صدارة النقاش داخل مؤسسات التعليم العالي العراقية: هل نحن أمام ثورة حقيقية في فلسفة التعليم الجامعي، أم أننا نكتفي بإدخال أدوات تكنولوجية جديدة إلى منظومة تعليمية ما زالت تعمل بعقلية وأساليب تقليدية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست تقنية بقدر ما هي أكاديمية ومؤسسية واستراتيجية، لأنها تتعلق بمستقبل الجامعة العراقية وقدرتها على مواكبة التحولات العالمية.

الجامعة لم تعد كما كانت

لقد تأسست الفلسفة التقليدية للتعليم الجامعي على منظومة واضحة، يكون فيها الأستاذ المصدر الأساسي للمعرفة، والطالب متلقياً لها، والمقرر الدراسي الإطار الذي تنتظم داخله العملية التعليمية، فيما تمثل الامتحانات والبحوث والاختبارات الوسائل الأساسية لقياس التحصيل العلمي.

وكان هذا النموذج منطقياً في مرحلة كانت فيها مصادر المعلومات محدودة نسبياً، وكان الوصول إلى المعرفة يتطلب جهداً ووقتاً، وتقتصر عملية البحث على المكتبات والمراجع الورقية والمصادر العلمية المتخصصة.

لكن التطور الرقمي، ثم ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أحدثا تغيراً جذرياً في هذه المعادلة. فقد أصبح الطالب قادراً على الوصول إلى كم هائل من المعلومات، وتلخيص الكتب، وتحليل النصوص، ومناقشة الأفكار، والمساعدة في كتابة البحوث، وإجراء العمليات الحسابية والإحصائية، خلال فترات زمنية قصيرة.

وهنا لم تعد وظيفة الجامعة مقتصرة على إيصال المعلومات إلى الطالب، لأن المعلومات أصبحت متاحة بصورة واسعة، وإنما أصبحت مهمتها الأساسية تتمثل في تعليم الطالب كيف يفهم المعلومات، ويتحقق من صحتها، وينقدها، ويربط بينها، ويحولها إلى معرفة قابلة للاستخدام والإنتاج.

وهذا التحول يفرض إعادة تعريف وظيفة الأستاذ الجامعي أيضاً، فلم يعد دوره ينحصر في شرح المادة العلمية ونقل محتويات المقرر الدراسي، بل أصبح مطالباً بتوجيه الطلبة نحو التفكير النقدي، وتطوير مهارات التحليل والاستنتاج، وتعليمهم كيفية التعامل المسؤول مع أدوات الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المعرفة العلمية الموثوقة والمعلومات التي تنتجها الأنظمة الذكية دون ضمان لصحتها.

وبهذا المعنى، فإن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الجامعة، بل يضعها أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على تجديد نفسها.

الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن العقل الإنساني

من الأخطاء الشائعة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي النظر إليه باعتباره بديلاً عن التفكير الإنساني، أو اعتبار قدرته على إنتاج النصوص والإجابات والتحليلات دليلاً على امتلاكه فهماً مماثلاً للفهم البشري.

فالأنظمة الذكية تستطيع معالجة كميات ضخمة من البيانات، واكتشاف العلاقات والأنماط، وتوليد محتوى لغوي وتحليلي متقدم، لكنها قد تنتج معلومات غير دقيقة، أو تستند إلى مراجع غير موجودة، أو تقدم استنتاجات تبدو منطقية من الناحية اللغوية لكنها تفتقر إلى الأساس العلمي الصحيح.

ومن هنا تبرز مسؤولية الجامعة في ترسيخ ثقافة الاستخدام الواعي لهذه التقنيات، بحيث لا يتحول الطالب إلى مستهلك سلبي للإجابات الجاهزة، ولا يصبح الأستاذ معتمداً على مخرجات الآلة دون مراجعة أو تمحيص.

إن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في التعليم العالي لا تكمن في قدرته على إنجاز المهمات بدلاً من الإنسان، وإنما في قدرته على توسيع إمكاناته ومساعدته على الوصول إلى نتائج أفضل، شريطة أن يبقى العقل الإنساني مسؤولاً عن التوجيه والتحليل والحكم النهائي.

وهذه هي الفلسفة التي تؤكد عليها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في توجيهاتها الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث العلمي، والتي تشدد على ضرورة اعتماد مقاربة تتمحور حول الإنسان، وتحافظ على الخصوصية والنزاهة والعدالة، وتضمن أن تظل التكنولوجيا في خدمة الأهداف التعليمية والإنسانية.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للجامعات العراقية؟

إذا انتقلنا من الإطار العالمي إلى الواقع العراقي، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً، خصوصاً أن منظومة التعليم العالي العراقية تواجه تحديات متراكمة تتعلق بتطوير المناهج، وتحديث البنية التحتية، ورفع كفاءة الملاكات التدريسية، وتحسين جودة البحث العلمي، وتعزيز ارتباط مخرجات الجامعات باحتياجات سوق العمل.

وفي ظل هذه التحديات، يأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف مسؤوليات جديدة إلى المؤسسات الجامعية، لكنه يفتح في الوقت نفسه فرصاً مهمة لمعالجة بعض جوانب القصور القائمة.

لقد بدأت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية اتخاذ خطوات باتجاه إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المنظومة الأكاديمية، ومن أبرزها استحداث كلية الذكاء الاصطناعي في جامعة بغداد، التي افتتحت في أيلول 2025، وتضم تخصصات التطبيقات الهندسية والتطبيقات الطبية الحيوية والبيانات الضخمة.

كما أعلنت الوزارة توجهها نحو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في البرامج الأكاديمية، وتطوير المناهج، وإنشاء مراكز ومختبرات متخصصة، وتشجيع الأنشطة البحثية المرتبطة بهذا المجال.

وعلى المستوى الوطني، برزت أيضاً جهود إعداد الاستراتيجية العراقية للذكاء الاصطناعي والروبوتات الذكية للفترة 2026-2050، بما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية بناء القدرات البشرية والتقنية، وتطوير البنية الرقمية، وإرساء أطر الحوكمة والتشريعات اللازمة.

هذه الخطوات تمثل مؤشرات إيجابية على بداية التحرك المؤسسي، لكنها تفتح الباب أمام تساؤل أكثر عمقاً: هل يكفي استحداث كلية متخصصة بالذكاء الاصطناعي لكي نقول إن الجامعة العراقية دخلت عصر التحول الذكي؟

بالتأكيد لا.

فالتحدي لا يتعلق بإنشاء تخصص أكاديمي جديد فحسب، وإنما بمدى قدرة الجامعة على إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف مفاصل عملها، من قاعة المحاضرات إلى المختبرات البحثية، ومن المناهج الدراسية إلى الإدارة الجامعية، ومن تقويم الطلبة إلى صناعة القرار الأكاديمي.

فالذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يبقى محصوراً في كليات الحاسوب والهندسة، وإنما يجب أن يمتد تأثيره إلى الطب والقانون والإعلام والاقتصاد والإدارة والعلوم الإنسانية والاجتماعية.

إن طالب الطب يحتاج إلى فهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الطبية والمساعدة في التشخيص، وطالب القانون يحتاج إلى دراسة علاقته بالتشريعات والمسؤولية القانونية والخصوصية، وطالب الإعلام يحتاج إلى معرفة استخداماته في تحليل المعلومات وإنتاج المحتوى والتحقق من الأخبار، فيما يحتاج الباحث في العلوم الإنسانية إلى الاستفادة من قدراته في تحليل النصوص والبيانات والدراسات.

وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي ثقافة أكاديمية مشتركة، وليس اختصاصاً محصوراً في فئة محددة من الطلبة والتدريسيين.

الأستاذ الجامعي أمام امتحان جديد

لعل القضية الأكثر حساسية في هذا التحول تتعلق بالأستاذ الجامعي نفسه، لأنه يمثل العنصر الحاسم في نجاح العملية التعليمية أو تعثرها.

فمهما بلغت التقنيات من تطور، فإنها لن تحقق أهدافها إذا لم يمتلك الأستاذ المعرفة والمهارات اللازمة لتوظيفها في التدريس والبحث والتقويم.

وهنا ينبغي أن نطرح بصراحة سؤالاً مهماً: هل الملاكات التدريسية في الجامعات العراقية مؤهلة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي؟

لا يمكن إصدار حكم عام على جميع التدريسيين، فهناك أساتذة وباحثون يمتلكون خبرات متقدمة في هذا المجال، وهناك مبادرات جامعية وتدريبية تستحق التقدير. لكن المشكلة تكمن في غياب صورة وطنية شاملة وموثقة تحدد مستوى جاهزية الملاكات التدريسية في مختلف الجامعات والتخصصات.

كما أن امتلاك بعض التدريسيين مهارات استخدام التطبيقات الذكية لا يعني بالضرورة امتلاكهم القدرة على توظيفها تربوياً وبحثياً بصورة منهجية.

فثمة فرق بين استخدام تطبيق لإعداد ملخص أو صياغة نص، وبين القدرة على تصميم بيئة تعليمية تفاعلية، أو إعداد اختبارات تقيس التفكير والتحليل، أو توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات البحثية والتحقق من نتائجها.

ومن هنا فإن تأهيل الأستاذ الجامعي يجب أن يكون من أولويات أي استراتيجية للتحول الرقمي، وأن يتحول إلى برنامج مؤسسي مستمر، لا إلى دورات متفرقة أو نشاطات إعلامية تنتهي بانتهاء فعالياتها.

الطالب بين فرص المعرفة ومخاطر الاتكالية

أما الطالب الجامعي، فقد أصبح أكثر اتصالاً بالتطبيقات الذكية، وأكثر قدرة على الوصول إلى أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة.

وهذا يفتح أمامه فرصاً كبيرة للتعلم الذاتي، وتطوير مهاراته، وتوسيع معارفه، لكنه يضعه أيضاً أمام مخاطر لا تقل أهمية، وفي مقدمتها الاعتماد المفرط على الإجابات الجاهزة، وتراجع مهارات القراءة والبحث والتحليل، وتحويل الواجبات والبحوث إلى مجرد منتجات آلية.

ولذلك فإن التحدي الذي تواجهه الجامعة ليس منع الطالب من استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما تعليمه كيف يستخدمه دون أن يتخلى عن مسؤوليته الفكرية والعلمية.

كما ينبغي أن تتغير أساليب الامتحانات والتقييم؛ لأن الاعتماد على الأسئلة التقليدية والبحوث المنزلية وحدها لم يعد كافياً لقياس مستوى الطالب الحقيقي في بيئة يستطيع فيها الحصول على إجابات متقدمة خلال ثوانٍ.

إن الجامعة مطالبة بالانتقال إلى أساليب تقييم تقيس قدرة الطالب على المناقشة والتحليل والتطبيق والدفاع عن أفكاره، بدلاً من الاكتفاء بقياس قدرته على استرجاع المعلومات.

من امتلاك التكنولوجيا إلى امتلاك القدرة على التغيير

إن أحد الأخطاء التي قد تقع فيها المؤسسات التعليمية هو الاعتقاد بأن التحول الرقمي يتحقق بمجرد شراء الأجهزة والبرمجيات، أو إنشاء المختبرات، أو الإعلان عن برامج متخصصة.

فالتكنولوجيا، مهما بلغت إمكاناتها، لا تصنع وحدها مؤسسة متقدمة.

إن التحول الحقيقي يحتاج إلى رؤية مؤسسية، وقيادة جامعية تمتلك الوعي بطبيعة التغيير، وملاكات مؤهلة، ومناهج متجددة، وبنية تحتية مناسبة، وتشريعات واضحة، وثقافة أكاديمية تتقبل الابتكار وتدرك مخاطره.

كما يحتاج إلى مراجعة العلاقة بين الجامعة والمجتمع وسوق العمل، لأن قيمة التعليم العالي لا تقاس بعدد الشهادات التي يمنحها فحسب، وإنما بقدرته على إعداد الإنسان الذي يستطيع إنتاج المعرفة وتوظيفها في معالجة المشكلات وتحقيق التنمية.

ومن هنا ينبغي أن تكون الجامعات العراقية جزءاً من مشروع وطني أوسع للتحول نحو الاقتصاد المعرفي، بحيث لا تعمل المؤسسات الأكاديمية بمعزل عن مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ومراكز البحث العلمي.

الجامعة العراقية أمام خيار تاريخي

إن ما يحدث اليوم في عالم التعليم العالي يتجاوز حدود التحديث التقني، ويصل إلى إعادة صياغة العلاقة بين المعرفة والإنسان والمؤسسة الأكاديمية.

فالجامعة التي تكتفي بتدريس المعلومات دون تطوير مهارات التفكير ستجد نفسها أمام تحديات متزايدة، والجامعة التي لا تراجع مناهجها لن تكون قادرة على إعداد خريجين يمتلكون المهارات التي يحتاجها سوق العمل، أما الجامعة التي لا تستثمر في تطوير ملاكاتها التدريسية والبحثية فقد تتراجع قدرتها على المنافسة العلمية.

وفي المقابل، فإن الجامعة التي تدرك طبيعة التحول وتتعامل معه برؤية استراتيجية تستطيع أن تجعل من الذكاء الاصطناعي فرصة لتطوير التعليم والبحث العلمي، وتحسين الإدارة، وتوسيع آفاق الابتكار.

وهنا لا بد من التأكيد أن مستقبل الجامعة العراقية لن تحدده التقنيات التي تشتريها، وإنما الرؤية التي تمتلكها، والإنسان الذي تعده، والمعرفة التي تنتجها.

إننا بحاجة إلى جامعة لا تخشى التكنولوجيا ولا تستسلم لها، بل تفهمها وتوجهها وتضعها في خدمة رسالتها العلمية والإنسانية.

فالمستقبل لن يكون للجامعة التي تمتلك أحدث الحواسيب وأسرع الأنظمة فحسب، بل للجامعة التي تستطيع أن تصنع عقلاً إنسانياً قادراً على التفكير في زمن أصبحت فيه الآلة قادرة على إنتاج الإجابات.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي ينبغي أن تواجهه الجامعات العراقية اليوم: ألا تدخل عصر الذكاء الاصطناعي بأدوات جديدة وعقلية تعليمية قديمة، بل أن تجعل من هذا التحول مناسبة تاريخية لإعادة بناء فلسفة التعليم العالي، وتطوير وظائف الجامعة، واستعادة دورها بوصفها مركزاً لإنتاج المعرفة وصناعة المستقبل. يتبع

ealjalal24@gmail.com