![]()
تُعد مسألة تنظيم السلاح بيد الدولة من أكثر المسائل القانونية والأمنية حساسية في العراق لارتباطها المباشر بمفهوم السيادة وهيبة القانون واحتكار الدولة المشروع لوسائل الإكراه والقوة.
فالدولة الحديثة لا تستقيم وظيفتها القانونية والأمنية إلا بوجود سلطة عامة واحدة تمتلك صلاحية استخدام القوة وفقاً للقانون وتخضع في استعمالها للرقابة القضائية والمؤسساتية. ومن ثم فإن تعدد الجهات المسلحة خارج الإطار الرسمي للدولة يثير إشكالية تتجاوز الجانب الأمني لتصل إلى صميم مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه.
وتبرز الإشكالية بصورة أكثر وضوحاً عندما ترفض بعض الفصائل المسلحة التخلي عن أسلحتها أو إخضاعها بصورة كاملة للقرار الحكومي رغم اختلاف المبررات التي تقدمها هذه الفصائل بشأن الاحتفاظ بالسلاح .
فبعضها يستند إلى دوره السابق في مواجهة التنظيمات الإرهابية وحماية الدولة والمجتمع في حين يرتبط موقف بعضها الآخر باعتبارات سياسية أو أمنية تتعلق بالتهديدات الخارجية. إلا أن الاعتبارات السياسية أو الأمنية مهما كانت طبيعتها لا ينبغي أن تؤدي إلى قيام سلطة موازية لسلطة الدولة في استخدام القوة أو تحديد متى وكيف تستعمل.
ومن منظور قانوني فإن جوهر المشكلة لا يكمن في مجرد وجود السلاح وإنما في الجهة التي تملك سلطة إصدار القرار باستخدامه والضوابط التي تحكم هذا الاستخدام والجهة التي تتحمل المسؤولية القانونية عن النتائج المترتبة عليه. فالسلاح الذي يوجد داخل مؤسسة الدولة يخضع من حيث الأصل إلى سلسلة واضحة من الأوامر والمسؤوليات والرقابة في حين أن السلاح الذي يبقى خارج الإطار المؤسسي قد يثير صعوبات في تحديد المسؤولية عندما يُستخدم في فعل يشكل جريمة.
وتظهر خطورة هذه المسألة بصورة خاصة في مجال القانون الجنائي؛ إذ تقوم المسؤولية الجنائية على مبدأ أساسي مفاده أن ارتكاب الفعل المجرّم يرتب المسؤولية على فاعله وفقاً للقانون ولا يجوز أن تتحول الصفة التنظيمية أو الانتماء إلى جماعة مسلحة إلى وسيلة تمنع تطبيق القانون أو تعرقل إجراءات التحقيق والمحاكمة. ولذلك فإن أي فعل يشكل جريمة سواء ارتكبه فرد بصورة منفردة أو ارتكبه شخص ينتمي إلى تشكيل مسلح يجب أن يخضع للقواعد الجنائية والإجرائية ذاتها مع مراعاة ما يقرره القانون من أحكام خاصة.
كما أن استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة قد يؤدي إلى إضعاف فاعلية أجهزة إنفاذ القانون لأن مكافحة الجريمة لا تتطلب وجود نصوص تجريمية فحسب وإنما تتطلب أيضاً قدرة الدولة على تنفيذ القانون بصورة متساوية على جميع الأشخاص. فإذا وجدت جهة مسلحة تتمتع بقدرة فعلية على استخدام القوة خارج منظومة القرار الرسمي فقد تنشأ صعوبة عملية في تنفيذ أوامر القبض أو إجراءات التحقيق أو الوصول إلى الأدلة أو حماية المجني عليهم والشهود الأمر الذي قد ينعكس بصورة مباشرة على فعالية العدالة الجنائية.
ومن هنا فإن مبدأ تنظيم السلاح بيد الدولة لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد شعار سياسي وإنما باعتباره نتيجة منطقية لمبدأ سيادة القانون. فالدولة التي تحتكر الاختصاص التشريعي والقضائي والتنفيذي يجب أن تحتكر كذلك الاستخدام المشروع للقوة لأن منح جهات أخرى قدرة مستقلة على استخدام القوة يخلق من الناحية العملية تعدداً في مراكز الإكراه داخل الدولة الواحدة.
ولا يعني ذلك بالضرورة إنكار الأدوار التي قامت بها بعض الفصائل المسلحة في مواجهة الإرهاب ولا تجاهل التضحيات التي قدمها أفرادها وإنما يعني الانتقال من مرحلة الضرورة الأمنية إلى مرحلة بناء الدولة القانونية. فالظروف الاستثنائية التي قد تبرر وجود ترتيبات أمنية معينة في مرحلة زمنية محددة لا ينبغي أن تتحول إلى وضع دائم يسمح باستمرار مراكز القوة المسلحة خارج الإطار الدستوري والمؤسساتي.
ومن ناحية أخرى فإن معالجة ملف السلاح لا يمكن أن تقوم على فكرة التسليم المادي للأسلحة وحدها بل تحتاج إلى معالجة قانونية متكاملة تتضمن تحديد الوضع القانوني لأفراد الفصائل وتنظيم مسألة الدمج في المؤسسات الأمنية والعسكرية وفقاً للضوابط القانونية وضمان عدم الإفلات من العقاب عن الجرائم التي ارتُكبت وفي الوقت نفسه ضمان عدم استخدام ملف تنظيم وأخضاع السلاح بصورة انتقائية أو انتقامية.
وتكمن أهمية ذلك في أن العدالة الجنائية لا يمكن أن تكون انتقائية فلا يكفي أن تُطالب الدولة بعض الأفراد أو الجماعات باحترام القانون وإنما يجب أن يكون القانون معياراً عاماً يسري على الجميع. ولذلك فإن أي جريمة ترتكب بالسلاح يجب أن تترتب عليها المسؤولية وفقاً للقواعد القانونية بصرف النظر عن المركز السياسي أو التنظيمي لمرتكبها مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
إن رفض بعض الفصائل تسليم السلاح أو إخضاعه بصورة كاملة لسلطة الدولة يطرح في حقيقته سؤالاً أعمق من مسألة السلاح ذاته: من يملك حق استخدام القوة داخل الدولة؟ فإذا كانت الإجابة القانونية هي الدولة ومؤسساتها المختصة فإن أي قوة مسلحة أخرى يجب أن تكون خاضعة للقانون والسلطة العامة لا أن تمتلك قراراً مستقلاً في استخدام القوة.
وعليه فإن نجاح العراق في معالجة ظاهرة السلاح خارج الإطار الرسمي لا يتوقف على الإجراءات الأمنية وحدها وإنما يرتبط بقدرة الدولة على بناء منظومة قانونية ومؤسساتية تجعل السلاح تابعاً للقرار العام وتجعل المسؤولية الجنائية قائمة على أساس الفعل المرتكب لا على أساس الانتماء السياسي أو التنظيمي. فالدولة القانونية لا تتحقق بمجرد وجود مؤسسات رسمية وإنما تتحقق عندما تكون القوة خاضعة للقانون والقانون نافذاً على الجميع والمسؤولية الجنائية لا تستثني أحداً بسبب صفته أو انتمائه.
وبذلك يصبح تنظيم السلاح وإخضاعه للسلطة العامة جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء مفهوم الدولة وترسيخ سيادة القانون وتعزيز قدرة القضاء وأجهزة إنفاذ القانون على مكافحة الجريمة دون عوائق بما يحقق التوازن بين مقتضيات الأمن الوطني من جهة وضمان الحقوق والحريات وسيادة القانون من جهة أخرى.









