![]()
نمتار / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي
أدى اتساع مفهوم الأمن وتطور التكنولوجيا إلى توسيع المجالات التي يمكن أن يمارس فيها الردع. فبعد أن ارتبط تاريخيًا بالقوة العسكرية التقليدية والنووية، أصبحت الدولة مطالبة بحماية مصالحها في بيئة تشمل الفضاء السيبراني والخارجي والطيف الكهرومغناطيسي والمجال المعلوماتي، فضلًا عن الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. ولا يعني ذلك تراجع أهمية القوة العسكرية، وإنما أصبحت تعمل ضمن منظومة أوسع تتفاعل فيها أدوات متعددة لتحقيق التأثير الاستراتيجي.
وتظل القوة الصاروخية من أبرز أدوات الردع العسكري؛ فقد منحت الصواريخ الباليستية والجوالة والأسلحة الدقيقة بعيدة المدى دولًا متوسطة القوة القدرة على تهديد أهداف استراتيجية بعيدة. ولا تنبع قيمتها من قدرتها التدميرية وحدها، بل من تهديدها مراكز القيادة والقواعد والمنشآت الحيوية. وفي المقابل أضافت الدفاعات المضادة للصواريخ بعدًا للردع بالمنع، فأصبحت المعادلة تجمع بين اعتراض الهجوم والقدرة على الرد عليه (Freedman, 2004; Morgan, 2003).
وإلى جانبها برزت الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة، التي تنفذ مهام الاستطلاع والمراقبة والهجوم والتشويش بكلفة أقل من المنصات التقليدية، وتزداد أهميتها مع تطور الأسراب والأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي. غير أن أثرها مزدوج؛ فهي تعزز القدرة على المراقبة والتهديد والاستجابة، لكنها قد تخفض عتبة استخدام القوة بسبب انخفاض كلفتها والمخاطر البشرية المرتبطة بها.
أما المجال السيبراني فقد أحدث تغييرًا أعمق؛ إذ يمكن للهجوم أن يستهدف الكهرباء والمياه والمصارف والاتصالات والنقل والقيادة والسيطرة من دون عبور الحدود. وتتمثل المعضلة في صعوبة الإسناد وإمكان الإنكار وعدم وضوح العتبة التي يتحول عندها النشاط السيبراني إلى عمل يستوجب الرد (Libicki, 2009). ولذلك يقوم الردع السيبراني على المنع والصمود بقدر ما يقوم على العقاب؛ فحماية الشبكات وامتلاك الأنظمة الاحتياطية والقدرة على استعادة الخدمات تقلل مكاسب المهاجم، مع إمكان الرد في مجال آخر بدلًا من الرد السيبراني المماثل (Gartzke & Lindsay, 2019).
ويتداخل معه الطيف الكهرومغناطيسي والحرب الإلكترونية؛ فاعتماد القوات الحديثة على الاتصالات والرادارات والملاحة وتبادل البيانات جعل التشويش والخداع الإلكتروني وتعطيل أجهزة الاستشعار، أو حمايتها، جزءًا من القوة الردعية. وقد لا يكون من الضروري تدمير منصة الخصم إذا أمكن حرمانها من المعلومات أو الملاحة والاتصال، وهي صورة واضحة للردع بالمنع.
ويحتل الفضاء الخارجي موقعًا متزايد الأهمية؛ فالأقمار الصناعية أساسية للإنذار والاستطلاع والاتصالات والملاحة وتحديد الأهداف، لكن الاعتماد عليها يخلق مواطن ضعف جديدة. ولذلك أصبح الحفاظ على الوصول إلى الفضاء وحماية الأصول الفضائية وامتلاك بدائل لها جزءًا من الصمود الاستراتيجي.
ولا تقتصر أدوات الردع الجديدة على المجالات العسكرية والتقنية، إذ أصبح الاقتصاد أداة استراتيجية من خلال العقوبات وتجميد الأصول وتقييد التجارة والاستثمار والوصول إلى الأسواق. لكن فاعلية الردع الاقتصادي تختلف باختلاف اعتماد الخصم على الاقتصاد الخارجي وأهمية الهدف الذي يسعى إليه؛ فقد تقبل الدول خسائر اقتصادية مرتفعة دفاعًا عن مصالح تعدها حيوية.
وأصبح الردع التكنولوجي أكثر وضوحًا مع تحول الرقائق الإلكترونية والحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي والاتصالات والتقنيات الفضائية إلى مكونات أساسية للقوة العسكرية والاقتصادية. ومن ثم يمكن أن يشكل تقييد وصول الخصم إلى التكنولوجيا الحساسة وسيلة لإبطاء نمو قدراته، لينتقل جانب من التنافس من السيطرة على الأرض والموارد إلى السيطرة على المعرفة والبيانات والقدرة على الابتكار.
ويضاف إلى ذلك المجال المعلوماتي والإعلامي؛ فالردع يعمل من خلال الإدراك، والإدراك يتشكل بالمعلومات. ولذلك تستطيع حملات التضليل والعمليات النفسية استهداف ثقة المجتمع بمؤسساته ومعنويات القوات المسلحة وإرادة القيادة، وإن ظل قياس تأثيرها أكثر صعوبة.
وتظل القوة النووية، حيثما وجدت، في قمة هرم الردع بسبب قدرتها الاستثنائية على التدمير ومنع الحرب الوجودية بين القوى النووية. والردع متعدد المجالات لا يحل محلها، بل يضعها ضمن منظومة أوسع تتدرج فيها الخيارات من الأدوات السيبرانية والاقتصادية والتكنولوجية والقوة التقليدية وصولًا إلى النووي في الحالات القصوى (U.S. Department of Defense, 2022; NATO, 2022).
لكن النقطة الأهم هي أن القيمة الاستراتيجية لهذه الأدوات لا تكمن في عددها، وإنما في تكاملها. فامتلاك الصواريخ والمسيّرات والقدرات السيبرانية والأقمار الصناعية والحرب الإلكترونية لا يصنع بذاته ردعًا متعدد المجالات؛ بل يتطلب قيادة وسيطرة واستخبارات وإنذارًا مبكرًا وشبكات آمنة وعقيدة تحدد كيفية استخدام القدرات وإرادة سياسية قادرة على اتخاذ القرار.
وقد تناولتُ في دراستي الموسومة (العمليات متعددة الأوساط) عام 2019 فكرة أن العمل في المجالات المختلفة يتطلب جمع الإمكانات وتوحيد تأثيراتها، لا مجرد وجودها جنبًا إلى جنب. وعند نقل هذه الفكرة من المستوى العملياتي إلى الاستراتيجي تصبح أكثر أهمية: التكامل هو الذي يحول تعدد القدرات إلى قوة، والقوة إلى قدرة ردعية.
وفي هذه البيئة يصبح الخصم أمام شبكة من الحسابات بدلًا من تهديد واحد؛ فإذا تجاوز الدفاع في مجال فقد يواجه الرد في آخر، وإذا حمى نفسه من العقاب العسكري فقد تبقى لديه مواطن ضعف اقتصادية أو تكنولوجية أو سيبرانية. ومن هنا يتغير مفهوم القوة نفسه: فالدولة الأقوى ليست بالضرورة الأكثر امتلاكًا للأسلحة، وإنما الأقدر على ربط عناصر قوتها وتحويلها إلى تأثير استراتيجي منسق. وهذه النقلة من تعدد الأدوات إلى تكاملها تقودنا إلى العامل القادر على جمع البيانات وربط المجالات وتسريع القرار بصورة غير مسبوقة: وهو الذكاء الاصطناعي
يتبع










اترك رد