حرب على الأبواب ومستقبل يحتاج رؤية

Loading

نمتار / بقلم المهندس محمد صالح البدراني

في خضم ما يحصل هذه الأيام والحرب قد تقوم في أية لحظة تعيش الأمة العربية والإسلامية في فضائها الممتد مرحلة تاريخية بالغة التعقيد، تتداخل فيها الهواجس الأمنية مع اتضاح العوامل الجيوسياسية، فهم هذا المشهد المتوتر يفرض علينا ألا نكتفي بملامسة السطح السياسي التقليدي، بل ندرك الأساسيات التي صنعت هذا الواقع المعاصر، الذي يجعل القريب عدوا له الأولوية؛ والثقة مفقودة كأننا نستحضر رواية “الشيء” لستيفن كينغ، حلقة مفرغة تبدأ من “أزمة الفهم” واحتكار الصواب الفكري، وتمر عبر التقسيم الجغرافي المشوه، لتنتهي بتبعية استراتيجية وهدر للموارد بمردود ثبت انه وهميا.

إن أولى عتبات الأزمة تتجسد في النمط المعرفي السائد؛ حيث تحولت الاجتهادات البشرية والنتاجات الفكرية للنخب التاريخية من مساحات للتنوع الإيجابي إلى قوالب إقصائية مغلقة، تستغل بها الشعوب للانتحار وتحقيق مصلحة المستضاف في العقول، تماما كما لقد أصبح “الفهم الخاص” أو الانطباع السائد هو الصواب المطلق والوحيد، وغدا كل رأي مغاير بمثابة خطأ فادح يصل في كثر من الأحيان إلى التكفير أو تبرير الوحشية، هذا الاختزال الفكري عزل العقل الجمعي عن التجديد، وجعل الخلافات الفرعية المذهبية أو الفكرية والتي هي موضوع الخاصة تنتقل إلى عامة الناس لتكون وقوداً جاهزاً لتجنيد الشعوب ضد نفسها، أو ضد بعضها البعض، بدلاً من توظيف التنوع كقوة دافعة لبناء حضاري مشترك.

هذه البيئة التي تهيمن عليها الانطباعات وكأنها أصل العقائد بينما لا تنتج إلا الكراهية والفساد تلاقت مع تحول جيوسياسي قسري، تمثل في تقسيم جغرافيا الأمة إلى دول وطنية حديثة وفق المنطق الصارم لصلح “ويستفاليا” الغربي، ولكن لأجل غريزة التملك وحب السيادة وتستنهض العداء الذي خمد في أوربا نتيجة هذا الاتفاق، هذا الانتقال المشوه حوّل الحدود السياسية من مساحات للتفاعل البيني إلى جدران عازلة، وأدخل النظام الإقليمي في دوامة “معضلة الأمن المتبادل”، حيث ينظر كل طرف إلى مقدرات جاره الشقيق كتهديد مباشر لوجوده، والنتيجة الحتمية كانت تمزق التكامل العضوي والتاريخي، وغياب الثقة البينية متهما كل الآخر بالعمالة (تماما كرواية الشيء)، وضياع قدرة الأمة على صياغة موقف استراتيجي موحد.

المستوى الأول من فقدان الاستقرار ينبع من الهواجس الداخلية للحكومات وخوفها المستمر من شعوبها نتيجة فجوات الثقة والشرعية، بالتوازي مع خوفها من مؤامرات الدول الشقيقة، أما المستوى الثاني، فيتمثل في التدخلات الأجنبية المزمنة التي وجدت في هذه التصدعات بيئة خصبة للاختراق والاستثمار، هذا الخوف الوجودي قاد إلى انحراف حاد في بوصلة التحالفات وتحديد العدو الاستراتيجي؛ فبدلاً من الاستثمار في تقوية الجوار وبناء الأمن الجماعي، بات الوضع الشاذ في تعريف العدو اليوم.

مواقف سياسية متذبذبة؛ مواقف تفتقر إلى الثبات تجاه قضايا الأمة وتجاه الشعوب نفسها، وصاحبها استنزاف هائل للثروات القومية والموارد السيادية، وبدلاً من إنفاق هذه المقدرات على التنمية المحلية والرفاه الاجتماعي وتقوية البنى الدفاعية البينية، جرى توجيه مئات المليارات نحو الأسواق الغربية في شكل استثمارات خارجية ضخمة أو صفقات تسليح غير تكاملية، والمفارقة الأكثر مرارة تظهر عندما تجد هذه الدول نفسها في مواقف حرجة أو أزمات وجودية عاصفة، فلا تجد مظلة حقيقية تدافع عنها من الخارج، ولا هي تركت لنفسها مساحة من الرحمة والعمق الاستراتيجي مع شقيقاتها في الداخل الإقليمي.

المطلوب:

عملاً مؤسسياً وعلمياً جاداً مطلوبا ينتقل بنا من الشكليات وردود الأفعال إلى التأسيس الرصين؛ ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى رعاية وإنشاء مراكز دراسات استراتيجية وبحثية مستقلة ذات رؤية استراتيجية وليس وظيفة فقط أو شكل وعابرة للحدود، تتولى مهمة إعادة اللحمة والتأسيس لمصالحة شاملة مع النفس، ومع الشعوب، ومع الدول الشقيقة.

خطط مدروسة، إلى تثبيط الخطابات الإقصائية، ووقف توظيف الخلافات العقدية أو المبالغة فيها، ومنع استخدام الأيديولوجيا كأداة لتجييش المجتمعات ضد ذاتها، إن مهمة مراكز الفكر اليوم كبيرة، وتصميم مشاريع جدوى اقتصادية إقليمية توجه الفوائض الاستثمارية نحو الداخل لبناء مشاريع المياه والطاقة والأمن الغذائي.

أزمة الأمة ليست قدراً جغرافياً أو تاريخياً محتوماً، بل هي نتاج لغياب العقل المؤسساتي؛ فالاستقرار والتكامل يبدأ عندما نملك الشجاعة المعرفية لوضع مصلحة إنسان بلداننا وأمنه القومي المشترك في صدارة أولوياتنا الاستراتيجية، ولابد أن نتعلم كيف نخطط استراتيجيا وتكتيكيا، ومن يظن أن الحرب سيتخذ قرارها فهو واهم لأنها كاستراتيجية اتخذت فعلا حربا أو لا حربا، بقي التفاصيل وهي ما يسمى التكتيك في تنفيذ القرار، فالغاية واحدة وان تعددت الأهداف.