![]()
القاهرة / حمدي العطار

على هامش مهرجان النور التاسع للثقافة والفنون- دورة المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان- لم تكن جولتنا في القاهرة مجرد انتقال بين المعالم السياحية والأثرية، بل كانت رحلة في الذاكرة والتاريخ والثقافة. فبعد انتهاء فعاليات المهرجان، اتجهنا إلى أهرامات الجيزة حيث تقف الحضارة المصرية شامخة في مواجهة الزمن، ثم قصدنا متحف أمير الشعراء أحمد شوقي، لننتقل من عظمة الحجر الذي يروي تاريخ الفراعنة إلى عظمة الكلمة التي خلد بها شوقي اسمه في سجل الشعر العربي.
في هذا المكان لا تبدو الزيارة جولة داخل منزل شاعر كبير فحسب، بل استعادة لسيرة حياة حافلة بالتحولات عاش صاحبها قريباً من القصر، ثم عرف المنفى، قبل أن يعود إلى وطنه أكثر التصاقاً بالناس وقضاياهم، حتى انتقل في الذاكرة الأدبية من لقب “شاعر الأمير” إلى مكانة “شاعر الشعب”.
داخل بيت أحمد شوقي
لم تكن زيارتنا لمتحف أمير الشعراء أحمد شوقي، مجرد محطة سياحية تضاف إلى برنامج رحلتنا في القاهرة بل كانت تجربة ثقافية أتاحت لنا الاقتراب من الحياة اليومية لشاعر كبير والتعرف إلى تفاصيل المكان الذي عاش فيه وما احتفظت به جدرانه وغرفه من شواهد على حياته وعلاقاته الأدبية والاجتماعية.
عند وصولنا إلى البيت الذي تحول إلى متحف كانت الخطوة الأولى التقاط الصور التذكارية قرب التمثال البرونزي لأحمد شوقي في حديقة المتحف. ثم جرى تقسيم المشاركين إلى مجموعات، تضم كل واحدة نحو عشرة أشخاص، تتولى مرافقتهم مجموعة من العاملين في المتحف لتقديم الشروح اللازمة عن تاريخ البيت ووظيفة غرفه ومقتنياته. وكانت مجموعتنا برفقة مدير المتحف، الذي تولى بنفسه شرح تفاصيل المكان، مستعيداً بعضاً من ذاكرته الثقافية والإنسانية.
غرف تحكي سيرة الشاعر
بدأت الجولة بالتعرف إلى صالون استقبال الضيوف وهو المكان الذي كان يستقبل فيه أحمد شوقي زواره ويستقبل فيه أصدقاءه وشخصيات عصره. ومن هذه الغرفة انتقلنا إلى غرفة ارتبطت بالفنان والمطرب الكبير محمد عبد الوهاب، الذي عرف بلقب “مطرب الأجيال”، إذ كان يتردد على شوقي في شبابه، وقد اقام عنده في البيت ونشأت بينهما علاقة فنية وإنسانية مهمة أسهمت في مسيرته الغنائية.
بعد ذلك صعدنا إلى الطابق الثاني حيث تقع غرفة نوم أحمد شوقي، وغرفة نوم زوجته، وغرفة ابنه حسين وغرفة علي وغرفة إبنته، فضلاً عن غرفة مكتبه. وفي هذه الغرف تتوزع الصور والهدايا والمقتنيات التي توثق جوانب من حياة الشاعر الخاصة، وتمنح الزائر فرصة لتخيل تفاصيل حياته بعيداً عن صورته العامة بوصفه أمير الشعراء.
ولأننا دخلنا بيتاً تاريخياً تحول إلى متحف فقد سبقت الجولة تعليمات تتعلق بآداب الزيارة والمحافظة على المقتنيات، إذ طُلب منا عدم لمس قطع الأثاث أو الجلوس عليها وعدم استخدام الفلاش أثناء التصوير. وهي تعليمات تبدو ضرورية للحفاظ على هذا الإرث وضمان بقائه للأجيال المقبلة.
كان التجول بين الغرف أشبه بقراءة سيرة أحمد شوقي من خلال الأشياء، فالصورة والهدية والأثاث ليست مقتنيات صامتة فحسب، بل شواهد تفتح أمام الزائر أسئلة عن علاقات الشاعر، واهتماماته، والبيئة التي عاش فيها، والأشخاص الذين تركوا أثراً في حياته.
حوار مع مدير المتحف
بعد انتهاء الجولة جلسنا في غرفة الاجتماعات بالطابق الأرضي حيث قدم مدير المتحف عرضاً وافياً عن حياة أحمد شوقي وأبرز المحطات التي مرت بها تجربته، وما شهدته من تحولات سياسية وأدبية واجتماعية. وقد أتاحت هذه الجلسة الانتقال من مشاهدة المقتنيات إلى مناقشة دلالاتها وطرح أسئلة تتصل بتاريخ المتحف وسيرة صاحبه.
بدأت أسئلتي عن تاريخ افتتاح المتحف، ثم انتقلت إلى بعض الحكايات المتداولة عن العلاقة بين أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب، ولا سيما الرواية التي تقول إن شوقي مازح المطرب الشاب بشأن قصر قامته، قائلاً له إنه يستطيع أن يضع الصحف التي كتبت عنه تحت قدميه ليصبح أطول مما هو عليه. وقد أثارت هذه الحكاية اهتمامي لأنها تكشف إذا صحت تفاصيلها، جانباً من روح الدعابة التي يمكن أن تجمع بين الشاعر الكبير والفنان الشاب بعيداً عن الألقاب والصور الرسمية.
كما سألت مدير المتحف عن الموقف السياسي لأحمد شوقي، في ضوء ارتباطه بالقصر ولقبه المعروف “شاعر الأمير” وأوضح أن شوقي كان قريباً من القصر وهو ما انعكس على مواقفه في تلك المرحلة لكنه بعد عودته من المنفى شهد تحولاً في علاقته بالناس وقضاياهم واتسع حضوره بوصفه شاعراً يعبر عن وجدان الشعب.
وهنا تبدو سيرة شوقي جديرة بقراءة نقدية لا تكتفي بالألقاب؛ فالشاعر الذي ارتبط اسمه بالبلاط الملكي عاش تجربة المنفى ثم عاد إلى وطنه في سياق مختلف الأمر الذي يفتح باب التساؤل عن أثر التحولات السياسية والإنسانية في رؤيته الشعرية وموقفه من المجتمع.
وتطرق مدير المتحف أيضاً إلى قوة أحمد شوقي في الكتابة النثرية، مشيراً إلى أن بعض مؤلفاته في هذا المجال لم تحظ بما تستحقه من الاهتمام، مقارنة بالمكانة الواسعة التي احتلها شعره في الذاكرة الأدبية. وهذه ملاحظة تستحق التوقف عندها إذ إن شهرة الشاعر قد تحجب أحياناً جوانب أخرى من تجربته الإبداعية، وتدفع القراء إلى التركيز على جنس أدبي واحد على حساب بقية أعماله.
كما أشار مدير المتحف إلى كتابات ابنه علي شوقي عن والده، في سياق الحديث عن حياة الشاعر وذكرياته العائلية. وتطرق الحديث كذلك إلى البيت المجاور للمتحف الذي أوضح أنه كان يعود إلى ابنة أحمد شوقي قبل أن يباع من قبل الورثة.
ختام الزيارة مسك.
باجواء امزج الموسيقى والغناء والمكان الشاعري المتحف.طلب مدير المتحف أن تقدم المجموعة اغنية من شعر شوقي والحان عبد الوهاب . واستجاب ألفنان ستار الساعدي عازف الرق …و الفنان علي كامل عازف العود وقدما اغنية “مضناك جفاه”.
الزيارة أبعد من الصور التذكارية
ما منح هذه الزيارة قيمتها لم يكن عدد الغرف التي تجولنا فيها ولا الصور التي التقطناها قرب التمثال بل التفاصيل التي استطعنا اكتشافها من خلال الشرح والحوار. فقد أتاح لنا المتحف أن نرى أحمد شوقي من زاويتين متكاملتين: الشاعر الذي تتردد قصائده في الذاكرة العربية، والإنسان الذي عاش في بيت له غرفه وعلاقاته وذكرياته.
وعلى هامش مهرجان النور التاسع للثقافة والفنون، أكدت هذه التجربة أن الثقافة لا تُكتشف في قاعات الندوات وحدها، بل في الأمكنة التي تحفظ ذاكرة المبدعين، وفي الأسئلة التي يثيرها الحوار معهم بعد رحيلهم. فزيارة بيت أحمد شوقي أعادتنا إلى سيرة شاعر كبير لكنها دفعتنا أيضاً إلى التفكير في مسؤوليتنا عن صون تراث الأدباء والاهتمام بما تركوه من شعر ونثر ووثائق وذكريات.









