![]()
هذا الصباح قرأتُ خبرًا جميلًا، مفاده أنه في أحد أحياء طرابلس، وبين ازدحام اللحظات التي تسبق آذان المغرب، شاب نذر نفسه وماله ليقف كل عام حاملاً قناني الماء وحبات التمر، يوزّعها على الصائمين العابرين، عطاء يتقرب به إلى الله
غير أنّ مبادرته هذا العام حملت تفصيلاً مختلفًا؛ إذ وضع إلى جانب عطائه عبارةً قصيرة كتب فيها :
“ادعوا لي أن أتزوجها… لعلّ أحدكم أقرب إلى الله مني“
لم تكن كلماته استعراضًا، ولا بحثًا عن لفت الانتباه، بل بدت كأنها همسةُ قلب اختار أن يستعين بدعاء الغرباء. في شهر جعل الله أبواب الرحمة فيه مفتوحة، آثر أن يجعل صدقته طريقًا إلى أمنيته، مؤمنًا بأن الدعاء حين يمتزج بالخير قد يصنع ما تعجز عنه الحسابات.
أما التفاعل عبر مواقع التواصل فجاء متباينًا؛ فهناك من تعامل مع القصة بمنطق الإدخار والتخطيط، معتبرًا أن جمع المال أولى من توزيعه إن كان الهدف هو الزواج. وفي المقابل رأى آخرون أن البركة لا تقاس بالأرقام وحدها، وأن من يسعى بالخير قد يجد في طريقه تيسيرًا لا يُشترى بالمال، بل يُوهب بالنية الصادقة.
نعم, هكذا هي الحياة، وبالخصوص الحياة الزوجية لا تُبنى على المال وحده، ولا على العاطفة وحدها، بل على صدق النية وخشية الله. وكم من رجلٍ أرهق نفسه سعيًا لنيل رضا امرأةٍ ورضا أهلها، ليبرهن أنّه الرجل المناسب لابنتهم، وكم من عائلةٍ شدّدت الشروط ظنًّا منها أنّها تحمي ابنتها، غير أنّ الأيام كفيلة بأن تكشف الحقائق؛ فإمّا أن يكون الرجلُ تقيًّا يُحسن العشرة ويصون المودّة، وإمّا أن يكون مريضًا بالأنا، وتتحوّل الوعود إلى عبءٍ يُثقل الحياة على نفسه وعلى الأخرين.
لو أنّ كلّ واحدٍ منّا سأل نفسه قبل أن يطلب أو يحكم: هل أرضى بهذا لو كنتُ في مكان الآخر؟ لتبدّلت أشياء كثيرة، فالدنيا دينٌ؛ كما تدين تُدان، وكما تعطي تأخذ، ومن يزرع خيرًا يحصد طمأنينةً، ومن يزرع أذًى يعود إليه صداه، ٱجلًا ام عاجلًا.
وهنا أتذكّر موقفًا بسيطًا لكنه عميق المعنى، حين نشر صديقٌ عزيزٌ منشورًا يخصّ عملي الفني، طلبتُ من الأصدقاء أن يتركوا كلمةً للذكرى، فكتبوا أجمل التعليقات، شكرًا لهم من القلب، زوجتي، وهي كاتبةٌ وفنانةٌ، عبّرت بكلماتٍ صادقةٍ عن حبّها وفخرها، والشكر والإمتنان موصول لها
. أحد الأصدقاء كتب لي مازحًا أنّه نقل تعليقها إلى زوجته وقال إنّه شعر بشيءٍ من الغيرة. كان موقفًا طريفًا، لكنّه كشف أثر الكلمة الطيبة في النفوس والبيوت.
العطاء ليس مالًا فقط؛ قد يكون كلمةً صادقةً، دعاءً في الغيب، تعاملًا محترمًا، موقفًا نبيلاً، كلمة شكرًا على أصغر المواقف، أو نيةً خالصةً. لذلك أظنّ أنّ الشاب الذي طرق باب الصدقة طالبًا الدعاء لم يخسر شيئًا، إن كانت تلك المرأة خيرًا له، فسييسّرها الله له، وإن لم تكن نصيبه فسيعوضه بما هو أصلح.
يكفيه أنّه اختار أن يربط أمنيته بالخير، وأن يجعل طريق قلبه يمرّ عبر باب العطاء
وهنا عليّ القول أن العطاء بين الزوجين تحديدًا ليس منافسة على من يفعل أكثر،
بل هو تعاون صامت يقول:
نحن في فريق واحد…
إذا تعبت أمس، أحملك اليوم، وإذا ضعفت غدًا، تحملني أنت.
نحن أكثر من أنا
فالعطاء لا ينقص صاحبه…بل يرفعه ويحمي القلب من أن يصبح وحيدًا
دمتم بألف خير و عطاء
سويسرا/ لوزان








