![]()
نمتار / حمدي العطار
“مئوية الرواد “تفتح كتاب قرن عراقي من الشعر والحروب والأسئلة

مئة عام مرت على ولادة ثلاثة شعراء، لكن القصيدة لم تقل كلمتها الأخيرة. مئة عام تغيرت فيها خرائط العالم وسقطت أنظمة واندلعت حروب وتبدلت المدن والأجيال، بينما بقيت أسماء بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري حاضرة في ذاكرة الشعر العربي، كأن الزمن كلما حاول إبعادهم أعادهم إلى الواجهة.

هكذا بدت بغداد مساء الأول من تشرين الأول 2026، وهي تفتح مسرح الرشيد أمام مهرجان “مئوية الرواد” في احتفالية لم تستعد ثلاثة شعراء بوصفهم جزءاً من الماضي بل حاولت أن تسأل: ماذا بقي من أسئلتهم اليوم؟ وهل تستطيع القصيدة التي كتبت قبل قرن أن تقول شيئاً جديداً لعصر مختلف؟

المهرجان أقيم برعاية رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي وبمبادرة من مكتب رئيس الوزراء وبدعم رابطة المصارف الخاصة العراقية وبالتعاون مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار والاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وبحضور رسمي وثقافي وشعبي واسع. ويأتي ضمن برنامج يمتد من 1 إلى 3 تشرين الأول لاستعادة تجربة الشعراء الثلاثة وأثرهم في مسيرة الشعر العراقي والعربي الحديث.
مسرح الرشيد يستعيد زمن القصيدة
بدأت الفعاليات بالنشيد الوطني العراقي، ثم جاءت القصائد الشعرية الممسرحة بصوت الفنانين عزيز خيون وكاظم القريشي وفاضل عباس آل يحيى، بإدارة الشاعر حسن مجيد.
وكان اختيار المسرح لافتاً، فالقصيدة التي عرفها القارئ في الكتاب خرجت هذه المرة إلى فضاء الأداء، لتتحول الكلمات إلى صوت وحركة وحضور. وكأن المهرجان يقول إن الاحتفاء بالشاعر لا ينبغي أن يبقى بين صفحات الدواوين بل يمكن أن يستعيد القصيدة بوصفها فعلاً حياً أمام الجمهور.
عارف الساعدي: لا نحول الرواد إلى تماثيل
في كلمته وضع رئيس اللجنة العليا للمهرجان المستشار الثقافي لرئيس الوزراء ورئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الشاعر الدكتور عارف الساعدي، المئوية في سياق أوسع من الاحتفاء الأدبي.
وأشار إلى المفارقة التي رافقت افتتاح المهرجان قائلاً: إن اللحظة تتزامن مع خروج آخر جندي من التحالف الدولي، فيما يدخل الشعراء المشهد في اليوم التالي متمنياً أن يكون ذلك “فأل خير على هذا البلد المصاب بالشعر وبالحروب”.
وربط الساعدي ولادة الشعراء الثلاثة بلحظة تاريخية عالمية فارقة، حين كان العالم يخرج من الحرب العالمية ويستعد لزمن جديد، فيما كان العراق يشهد ولادة أصوات ستغير مسار القصيدة.
السياب والبياتي وبلند لم يخرجوا من العراق وحده بل خرجوا بالشعر العراقي إلى العالم.
فالسياب حمل العراق في المطر والنخيل والقرية والبحر، وحمل الإنسان في غربته ووجعه وأمله. والبياتي جعل الرحلة والمنفى والحلم والحرية والعدالة جزءاً من جغرافية قصيدته. أما بلند الحيدري، فصاغ لنفسه صوتاً مشبعاً بالتأمل والقلق والبحث عن الحرية والكرامة والوجود.
لكن أكثر ما يلفت في كلمة الساعدي دعوته إلى عدم تحويل هؤلاء الشعراء إلى “تماثيل في الذاكرة”.
وهنا تكمن في رأيي واحدة من أهم أفكار المهرجان، فالاحتفاء الحقيقي بالشاعر لا يكون بتجميده في صورة تاريخية وإنما بإعادته إلى الأسئلة. أن نقرأه من جديد ونختلف معه أحياناً ونحاوره ونسأله ماذا كان سيكتب لو عاش حتى اليوم وهذا تحديداً ما يجعل المئوية أكثر من مناسبة للذكرى.
ماذا كان سيقول السياب لو عاد اليوم؟
السؤال الذي طرحه الساعدي يحمل قوة صحفية وثقافية تتجاوز المناسبة: ماذا لو امتد عمر هؤلاء الشعراء حتى اليوم؟ ماذا كانوا سيكتبون؟ وبأي حنجرة كانوا سيصرخون؟
إنه سؤال لا يخص الشعراء وحدهم، بل يخص القرن الذي مر منذ ولادتهم فالعراق الذي كتب عنه السياب ليس هو العراق نفسه والمنفى الذي حمله البياتي لم يعد يشبه منافي اليوم والقلق الإنساني الذي سكن قصائد بلند تبدلت أشكاله، لكن جوهر الأسئلة ظل قائماً: الوطن، الحرية، الإنسان، الموت، المنفى، العدالة، والحلم.
وزارة الثقافة: لسنا أمام احتفاء بالأسماء فقط
وفي كلمة وزارة الثقافة والسياحة والآثار، التي ألقاها وكيل الوزارة الدكتور فاضل البدراني، جاء التأكيد على أن مشاركة الوزارة في المهرجان ليست احتفاءً بأسماء بارزة في تاريخ الشعر العربي فحسب، وإنما احتفاء بمرحلة صنعت تحولاً عميقاً في القصيدة والوعي والثقافة.
ابنة السياب: القصائد التي لم تشخ
من الجانب العائلي حملت كلمة آلاء بدر شاكر السياب ابنة الشاعر بعداً عاطفياً واضحاً، حين تحدثت عن قرن كامل عاد فيه الجمهور إلى أسماء لم تغب وقصائد لم تشخ وأصوات لا تزال قادرة على تحريك الدهشة والسؤال.
وأكدت أن الاحتفاء لا يتعلق بثلاثة شعراء فقط، وإنما بجيل امتلك شجاعة القول إن القصيدة ليست قالباً نرثه بل حياة تتجدد.
البياتي يعود من المنفى
ومن عائلة عبد الوهاب البياتي جاءت حفيدته الصحفية سمية جوهر لتستعيد صورة الجد الذي عاش المنفى بجسده بينما ظلت روحه معلقة بالعراق.
وكانت إشارتها إلى أن المسافات لا تستطيع هزيمة حضور بغداد في شعر البياتي ذات دلالة خاصة، فالمنفى عند البياتي لم يكن غياباً كاملاً، وإنما تحول إلى مادة شعرية وذاكرة مفتوحة.
الفواز: القصيدة مرآة أعمق للعالم
أما كلمة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، التي ألقاها نائب الأمين العام للاتحاد الناقد علي الفواز، فقد ركزت على الأثر الجمالي والفكري للرواد.
وأشار الفواز إلى أنهم لم يكونوا أصواتاً عابرة، وإنما أسماء صنعت سؤالاً وجودياً وأثارت وعياً جمالياً وفكرياً غيّر شكل التلقي الثقافي.
حين تغني الفرقة قصائد الرواد
وبعد الكلمات دخلت الموسيقى إلى المشهد. فقدمت الفرقة الوطنية للتراث الموسيقي مجموعة من القصائد المغناة، قبل أن تفتح منصة الشعر أبوابها أمام الشاعر العراقي كاظم الحجاج، واللبناني جودت فخر الدين، والعراقي علي العلاق، والسوري عبد القادر الحصني.
واختتم اليوم الأول بمجموعة من الأغاني التراثية والشعبية قدمها فنانو الفرقة الوطنية وسط تفاعل واضح من الجمهور.
بغداد لا تحتفل بالماضي وحده
في نهاية اليوم الأول، بدا واضحاً أن “مئوية الرواد” لا تريد أن تقول إن السياب والبياتي وبلند كانوا كباراً وانتهى الأمر
السؤال الأصعب هو: لماذا ما زلنا نقرأهم؟
ربما لأنهم لم يكتبوا لعصرهم وحده. ولأن القصيدة التي تبحث عن الإنسان لا تموت بانتهاء زمنها. ولأن العراق الذي حملوه في قصائدهم لم يكن جغرافيا فقط، بل كان جرحاً وذاكرة وحلماً وأسئلة.









