![]()
خمس نوافذ تَطلُ منها رواية “قبة الرّمان” للكاتبة ” مها رحيم ” الصادرة في العام/2016 عن دار سطور للنشر والتوزيع ببغداد، هي على توالي إنفتاح نافذتها الأولى بعنوان : ذاكرة العطر- عطر الذاكرة والروح / والنافذة الثانية : أيام الزجاج ” آيار وعهد البلّور” / والثالثة : ثمار المطر بنات البرتقال، ملكات الرمان و الأقنعة / الرابعة : موسم القطاف / وأخيراً الخامسة : رقص الصبي البلّوري مع بنات الرّمان، فيما كانت هذه الكاتبة الحاصلة على شهادة البكلوريوس في اللغة التركية قد أصدرت في العام/2015 روايتها البكر بعتبة عنوان “بنت الديرة” فضلاً عن إنجاز مجموعتين شعريتيّن الأولى “مطر يردد لعنة المرآيا ” والثانيّة “الأرض حبيبتي وأنتَ من صنع الغمام” إلى جنب مجموعة قصص للأطفال إستظلّت براية عنوان ” ينبوع فتاة اليقطين “.

تفضي رواية “قبة الرّمان” بخالص جموح تمرّدات وعيها الأسلوبيّ ونكهات خوالجها نحو نصوع ولمعان مرآيا عاكسة لروح وجوهر طبيعة السرد الذهني بفعل حاصل ممكنات التصوّر و ذخائر قدرات المخيلة وتطويعها بغية توريد طاقتها الغرائبيّة والحلميّة وسند تحفيزاتها التتابعيّة في ملمح نسقٍ مدروس ومحكوم من حيث طبيعة وطريقة الإختلاف المتأني بقصد ورصد ما يميّز توّقعاتنا المماثلة والمحتملة فيما يخص ويتعلّق بواقع “السرد الأنثوي” و مألوفيّة خصائصه البائنة ضمن لوائح ومجريات التجنيس المتبع- شئنا أم أبينا- مع وجوب فرض الفرز وجدليّة الإستثناء، بحدود ما يلامس وما قد يتاخم نتاجات بعض الأسماء النسويّة الكبيرة في عموم مقامات السرد العربي، إن لم نقل في مجمل مجالات أدب الناطقين بالضاد على نحوٍ عام، كانت قد تدارست حجم هواجسه وأسباب جوانب من تعثرات ذلك الحذر والركود المضني في عوالم هذا الشأن الإبداعي “د.نادية هناوي سعدون” في مقدمة كتابها الأثير “الجسدنة بين المحو والخط …الذكورية/ الأنثوية- مقاربات في النقد الثقافي” بتوطئة أستمدت ثقل مهامها الغرضيّة عبر محفزات وإعتراضات سؤالها الواخز : ” تطلعات على سبيل التصحيح … المرأة حاجة أم قيمة ؟ “
غواية الجسد …هيمنة الذكورة
فاضت مقدمة ذلك الكتاب بحصر ممكنات فحص ما تختزنه الذاكرة النسائيّة العربية من مكابدات و أحقية حقيقة ما أحتملت المرأة المبدعة من جور معاناة كبيرة توالت على مرّ الأزمان والعصور وطبيعة إختلاف الأماكن والظروف، فما بين ” غواية الجسد وهيمنة الذكورة وإستبداد اللغة غابت الذات النسائية وتشتت العنصر النسائي ولم يعد بإمكانه إثبات حضوره الفعلي بشكل ذاتي إلأ بالتمرّد الذي به تستكشف المرأة وعيها وتعبّر عن مكنونات الأنا بداخلها وتصعِّد فاعلية شاعريتها باتجاه من حولها وتوّجه نقمتها لمن هو الحكم والخصم معاً” الكتاب ص6.
وما دواعي احتمائنا -هنا- بسواند مثل هذه الطروحات الطيّعة والنبيلة بزهو مقاصدها والواردة في مقدمة كتاب “الجسدنة”، إلأ لكي نتخلص من عبء كل ما ستنوء به دراستنا من تفسيرات وتعليلات في بنية هذه الرواية وحواف هذا العمل المضني والمختلف في الكثير من تسريباته اللغويّة و إستشعاراته الإستعارية رغم قصر طوله- نسبيّاً-“83 صفحة من الحجم المتوسط وبحروف صغيرة ” من حيث عذوبة وصعوبة النهج والخط الذي سارت على منواله “مها رحيم” وهي ترصف -جاهدةً و جادةً- دقة مهاراتها الإدائيّة وتوضيحاتها التصويّرية ومشروعية تسمية أبطال عملها على هذا الإمتداد الأفقي والعمودي من مستويات النضج والحرص و بسالة الخوض في مغامرات شرائك هذا النوع من السرد، ومتانة القص عبر توالي ظهور شخصياته على هذ النحو ”
” ناي” … فاقد البصر،الذي لم تخنه بصيرته، الأعمى ذو الوجه الجميل الذي يتم إستئجاره من قبل النساء في قبة الرّمان لكي يلاطفهن بالإصغاء لهن إرضاءً لغرورهن وتعويضاً عما ينقصهن في الحياة والبيت والمجتمع، مقابل دفع ثمن عن الساعة الواحدة له يصل الى 500″ يورو” تقول هذه الشخصيّة المحوريّة عن هذا المبلغ من فتحة النافذة الأولى : ” أنا أحب أحسبها باليورو هكذا أفضل لي، انا أحب أحسبها بعملة من بُعدكم الوهمي الآخر هكذا أفضل لي فقطع النقد الخشبيّة هنا لا تقنعني فهي تشبه وجوه بعض الناس الذين وضعوا جذورهم في هذه الابعاد الإفتراضية”.
صيف البلّور … صبا الخشب
“آيار” بطل الرواية … أو “أودميا” أو كما كانت تسميه أمه الانجيلية “أيلونا” هو شاب وسيم وجذاب في الثانيّة والثلاثين من العمر لأب مسلم وأم مسيحية أضحى مكدوداً بالبحث عن حقيقته و دوّار ما كان يدوّن الكثير من الكلمات في دفتره الغالي والنفيس، كان دائم التفكير بمجسات قبوله كائناً زجاجياً في “عهد البلّور” بحسب معرض حديثه عن جدته “زمان” الجميلة التي كانت تقص حكايا تلك “المرأة العجوز التي كانت تنادي الأطفال لكوخها المصنوع من البلّور وبمجرد دخولهم اليه يتبيّن لهم إنه ليس سوى معرض زجاجي لعرض التحف الزجاجية لتحبسهم خوفاً عليهم من الكسر” الرواية ص15 و بعدها يكمل “آيار” في حديثه الإستذكاري كيف كان لا يتذكر سوى ” صيفيات الطفولة البلّورية لكن في صبا الخشب وسوى الشتاء البارد، مع أننا كنا حطب الشتاء، لا أتذكر أنني يوماً شعرتُ بالدفء ما خلا حكايات جدتي وحضنها الذي كبرتُ عليه فبانت تخجل أن تضمني، وتردّد دائماً غبي كيف للبلّور أن يكبر! تحب الكسر يا غبي!!! كأنها تلومني على مضي الأيام …!”.
“أيليا” رجل إستعلامات الفندق ذي الثلاث نجوم والقريب من قبة الرّمان مسافة خمسة مجمعات سكنية حيث مضى “آيار” في الفندق لاكثر من ثلاثة أشهر بحثاً عن ضالته المنشودة في حقيقة وجوده، والذي سيتحوّل مع سياق تطور الأحداث لينتحل شخصية الراوي أو السارد، ثم ذكرى حضور شخصية “أبو حجّاج” المعاون الصحي ومداوي الجروح الذي ما فتئ يتحجج بالتطبيب والمداواة ليتحيّن فرصة ملامسة أجساد النساء، حتى غدا خبيراً بجلودهن ومكرهن وسيئا تهن وحسناتهن، وثمة وقع الاعتقاد السائد بقتله للبنات ودفنهن في قبة الرمان، ليتحولن إلى اشجار الرمان، ولعل هذه الخرافة بدأت بعد اختفاء ابنة الفلاح وابنة المختار في المدينة قبل عشر سنوات فوجدوا شجرتيّ رّمان على التلة الكبيرة،
نساء أشجار الرمان
ويستمر سيل الخرافة بتزايد اختفاء البنات مع ازدياد أشجار الرمان حتى صارت تلة أو قبة من تلك الاشجار، والتي سنرى ثمارها تُعصر وتذوب الأنواع في إناء الحياة الزجاجية أو الخشبيّة في النافذة الخامسة والأخيرة من مسالك عمر هذه الرواية، ثم ظهور “سيسبان” الصبية السمراء كتحفة خشب أفريقية، والتي كانت تسكن في الشارع المقابل للفندق الذي يعمل فيه “أيليا” لتثير شهية و إنتباه “آيار” الذي لمح في اليوم التالي بيدها سلسلة على شكل فراشة كالتي كانت تحملها أمه أينما ذهبت، لتختفي بعدها، لكنها تبقى قابعة في ذهنه وهواجسه مثل لغز لا ينفك خيط منه حتى يتعقّد الثاني، حتى إنه ظل يتمنّى أن تتحوّل إلى شجرة رمان في هذه القبة، ثم بعدها تنطلي حكاية “سبيل” كامرأة ضحية على هيئة شجرة وأمام الشجرة قطعة خشب ورديّة هي بمثابة شاهدة قبر كُتب عليه “هنا ترقد سبيل التي قتلها الناس والطيبة”، وصولاً لشخصية “نهار” حبيبة “عزيز” ابن مختار الحي الذي تركها وتزوّج غيرها، حتى أعتكفت في غرفة لوحدها بالقرب من قبة الرّمان وتعيش كما الدراويش تقول وتندّد بحالات “قتل وسلب وحقول نساء تتحول أشجاراً ومسافات وسفرا وبُعدا زمنيا”، كما يرد بالنص من خلال النافذة الثالثة.
كان لابد من توضح بعض معالم القص ولوازم السرد بغية الخوض في كشف وتفسير سلوك أو أظلة ملامح من شخصيات الرواية للتدليل وتقريظ حواف عمق وبراعة رسم وتحديد أطر ما سعت إليه “مها رحيم” في عِناد تجربتها الواعدة والناضجة بغض النظر عما ستثيره من ردود أفعال لدى النُقاد والمعنيين، كونها مثابرة واعية جديرة بالفحص والتمحيص المُذيّل بجملة من تقارب ضمني ، وربما متماهٍ مع عدة أعمال قصصية وروائية مثال ذلك شخصية ” ناي” أجير النساء الأعمى بحدود قربها النفسي والفلسفي من بطل قصة شهيرة بعنوان “بيت من لحم” للراحل “يوسف أدريس” والتي تحوّلت إلى فيلم سينمائي نال هو الآخر شهرة واسعة، كما يتلّمس القارىء ويستنشق أنفاس ورائحة أجواء رواية ” ليلة القدر” للمغربي “الطاهر بن جلون” من حيث مسارات الوهم والشك ودواعي الحيرة وتنقية شوائب البحث عن الهوية الحقيقية للبطلين في كلتا الروايتيّن، فضلاً عن تمهيدات روحية وفلسفيّة مترعة بصوفية-غنائية كالتي سطعت تلمع وتتمتع بها كتابات “جبران خليل جبران” وقيمة التعلل والإسناد بأقوال السيّد المسيح مع الحواريين وبآيات قرآنية وأقوال للإمام موسى بن جعفر، أترعت بها الروائية من تراص رؤاها وتفرّد لغتها ونهجها ومنهج تفكيرها في محافل التميّزوسعي للانخراط في عالم السرد غير المباشر والسائد والمألوف.
ح.ع.الحميد
27 أيلول
2026








