![]()
نمتار / اياد القيسي

قبل 62 عاماً، وبالتحديد يوم الثاني والعشرين من تشرين الأول عام 1964، رفض جان بول سارتر جائزة نوبل للآداب. وقد اعُتبر الأمر غريباً، الكاتب البالغ آنذاك 59 عاماً برر رفضه لأسباب تتعلق بموقفه من التكريم الرسمي، كان قبل هذا قد رفض وسام جوقة الشرف الذي منحه له ديغول. في واحدة من الحوارات التي أجرتها معه سيمون دي بوفوار – نُشر العديد من الحوارات ضمن كتاب “مراسم الوداع” ترجمة قاسم المقداد – قال سارتر إن موقفه من الجوائز ينبع من فهمه لدور الكاتب في الحياة، فالكاتب عليه أن ينصرف إلى الكلمة المكتوبة يوضح من خلالها موقفه السياسي والاجتماعي، أما التكريمات فهي أوراق ضغط تمارس عليه. يربط سارتر عمل المثقف والكاتب بتحرير نفسه وتحرير الآخرين أيضاً. والآخرون هم كل المجتمع: “لا بد للمثقف، لفهم المجتمع الذي يحيا فيه، من أن يأخذ منه بوجهة نظر أشد الناس حرماناً وأقلهم حظاً، أي الطبقة الشعبية. فالفكر الشعبي ينظر إلى المجتمع انطلاقاً مما هو جوهري. ولو أمكن للمثقف أن يتبنى هذا الفكر البسيط لتخلى عن الأوهام الإصلاحية التي لا تزال عالقة به، وشق طريقه إلى مزيد من الجذرية ليغدو ثورياً يدرك أن الجماهير لا يسعها أن تفعل شيئاً آخر سوى تحطيم الأصنام التي تسحقها” – سارتر “دفاع عن المثقفين” ترجمة جورج طرابيشي -.
في تشرين الأول عام ١٩٦٤، اكتشف جان بول سارتر أنه من بين الكتاب المرشحين لجائزة نوبل. وعلى الفور، أرسل خطاباً إلى الأكاديمية السويدية ليُبلغهم برغبته في الانسحاب من الترشيح. في ذلك الوقت، لم يكن يعلم أنه لا يتم التشاور مع المرشحين. لكن رسالته وصلت متأخرة جداً بحيث لم تتمكن من إيقاف القرار، لتعلن الأكاديمية فوز الأديب والفيلسوف “لأعماله الغنية بالأفكار والمفعمة بروح الحرية والسعي وراء الحقيقة، والتي كان لها تأثير بالغ على العصر”. في خطابه الذي أرسله إلى الأكاديمية السويدية، برر سارتر رفضه قبول الجائزة بأسباب شخصية وموضوعية، وأشار إلى أن رفضه للجائزة يستند إلى مبادئ ليست خاصة به وحده، بل مشتركة بين جميع زملائه ورفاقه. ويشير سارتر إلى أنه وجد نفسه بين خيارين؛ إما قبول الميدالية والمبلغ المالي، أو البقاء على ما كان يدّعيه دائماً – مفكراً حراً لا ينتمي إلى أي مؤسسة – إذا سمح لـ”أعظم مؤسسة ثقافية في العالم” بأن تصنفه ضمن نخبة مختارة.
لم يكن رفضه نزوة عابرة ولا تظاهراً بالتواضع. فقد رفض سارتر وسام جوقة الشرف الفرنسي عام ١٩٤٥، فطوال حياته تجنّب المناصب الرسمية والألقاب الفخرية. كان يؤمن بأن على الكاتب أن يتحدث باسمه وأن يعتمد كلياً على ما كتبه. جادل بأن مجرد وضع ختم مؤسسة بجانب اسمه يُغيّر طريقة تعامل القراء مع كلماته. فالتوقيع على بيان سياسي باسم جان بول سارتر يختلف تماماً عن التوقيع عليه باسم “جان بول سارتر، الحائز على جائزة نوبل”!
كان سارتر يؤمن أن الكاتب الذي يتخذ مواقف سياسية واجتماعية يجب أن يعتمد على وسيلة واحدة للتأثير: الكلمة المكتوبة. قد لا يُغيّر اللقب الفخري الكاتب بالضرورة، ولكنه يضع ضغطاً على القارئ ويمنح توقيعه سلطة لا تنبع من النص نفسه. أما الأسباب الموضوعية لرفض الجائزة فقد كانت تتعلق بالمشهد الثقافي للحرب الباردة. جادل سارتر بأن التفاعل بين الثقافات الغربية والشرقية يجب أن يتم بين القراء والكتاب، دون أن تُصنّف المؤسسات كل كاتب في معسكر دون آخر. ولذلك أكد أنه ما كان ليقبل جائزة سوفيتية أيضاً. لم يصف جائزة نوبل صراحةً بأنها تكريم غربي، لكنه اعتقد أنها في ظل الظروف الراهنة تؤدي هذا الدور: جائزة تُمنح إما للكتاب الغربيين أو للمعارضين الشرقيين. من بين الذين اعتقد سارتر أنهم غُيّبوا ظلماً عن الجائزة، ذكر أسماء مثل بابلو نيرودا ولويس أراغون اللذين رأى بأنهما يستحقان الجائزة أكثر منه.
اعترض سارتر على ربط التزاماته الشخصية (الفلسفية والسياسية) بأي مؤسسة تابعة، بما في ذلك الأكاديمية السويدية وجائزة نوبل. بل إنه صرّح في رسالة رفضه قائلاً: “لا ينبغي للكاتب أن يسمح بتحويل نفسه إلى مؤسسة”. فكلمة “مؤسسة” بحد ذاتها توحي بهدف اجتماعي يتجاوز الفرد. وعادةً ما تُستخدم هذه الكلمة لوصف العادات وأنماط السلوك في المجتمع، وباعتبارها آلية للنظام الاجتماعي، فإن “المؤسسة” تعني ضمناً مجتمعاً قائماً على نظام طبقي، وهو ما يتعارض مع رؤية سارتر لمجتمع حر حقاً. فالمؤسسة، كما استخدمها سارتر لغوياً في كتابه “الوجود والعدم”، تُحدّد بدقة حرية الفرد ومسؤوليته الاجتماعية.
أما حجته السياسية فكانت تتعلق بتوقيت منحه التكريم. قال إنه خلال الحرب الجزائرية، وبعد توقيعه على بيان الـ 121 تأييداً لحق رفض الخدمة العسكرية، كان سيعتبر الجائزة دعماً للنضال من أجل الحرية. لكن الآن، وبعد انتهاء تلك المعركة، خشي أن يُنظر إلى قبوله التكريم على أنه محاولة متأخرة للتكريم.
لم يزعم سارتر أن جائزة نوبل لا قيمة لها، بل زعم أنها ذات قيمة مفرطة. لم تكن مجرد مبلغ من المال وعشاء احتفالي في ستوكهولم، بل إنها تعيد ترتيب سيرة الفائز، وتضع جميع مؤلفاته تحت عنوان واحد، وتحول مجموعة أعماله إلى إرث معترف به رسمياً.
لم يكن سارتر يرغب أن يتحول إلى مجرد زينةٍ للغرب الليبرالي، ولا صوتاً مطيعاً للشرق السوفيتي. ويكمن جوهر هذا الموقف في إحدى أفكاره الأساسية: الإنسان ليس ما يقرره الآخرون عنه، بل ما يصنعه..
كان رفض الجائزة يعني أيضاً التنازل عن المال. في ذلك الوقت، بلغ المبلغ 273 ألف كرونة سويدية، وهو مبلغ ضخم. كان بإمكان سارتر قبوله والتبرع به لمنظمة سياسية أو قضية إنسانية، وأيضاً كان في ذلك الوقت بأمسّ الحاجة إليه، فقد كان سارتر وعلى خلاف كثير من المثقفين والمشاهير كريماً بالنسبة للنقود. كان يجد متعة في أن يدفع حساب المطعم أو المقهى لأناس ربما لا يعرفهم. كان يدعم القضايا الإنسانية والمنظمات السياسية، كان سكرتيره يقول عنه إنه «كريم لدرجةٍ غير معقولة»، وكان يوصف بأن نظرته للمال كانت غير مسؤولة.
تقول “كلود فوكس” التي عملت سكرتيرة له خلفاً لـ “جان كاو”: “كان يرفض وبإصرار أن تكون له علاقة بالنقود ويرى في ذلك مضيعة للوقت، إلا أنه باستمرار كان في حاجة إليها… لكي ينفقها ولكي يساعد الآخرين.” ونتيجة لذلك تراكمت عليه ديون كثيرة للناشرين وكان مُطالَباً بمبالغ كبيرة لضريبة الدخل بسبب تأخره في الدفع. كانت أمه تدفع عنه ضرائبه سرّاً، وفي نهاية الخمسينيات واجه مصاعب مالية شديدة لم يستطع أن يخلع نفسه منها، ورغم دخله الضخم والمستمر كان مديناً ومفلساً. كانت هناك قائمة بأسماء يدفع لها رواتب أو تتلقى مساعدات. في كتابه “دفاع عن المثقفين” يضع سارتر عدداً من المهام التي يجب أن يقوم بها المثقف لعل أبرزها: أن يستخدم معارفه لخلق ثقافة الحرية، وأن يجعل من نفسه حارساً للغايات التي ينشدها الناس، وأن يتفحص الغايات المستخدمة لتحقيق هذه الغايات، لكن الأهم فيما حدده سارتر هو تصوره للمثقف الذي طالبه أن يتحول من فيلسوف منغلق على أفكاره إلى ناشط ثقافي، وأن يتجاوز المؤسسات الثقافية التي يعمل فيها -وكان يقصد الجامعات- ليضع اختصاصه في خدمة الخير العام الذي هو غاية كل علم. بعد 62 عاماً على إعلان سارتر رفضه لجائزة نوبل: هل لا يزال سارتر يمثل نموذجاً للكاتب الملتزم؟، وهل لا تزال مقولته الشهيرة “لتسقط جميع الأصنام” حاضرة في مشهدنا الثقافي؟ ربما يقول البعض إن استحضار سارتر في هذا الوقت نوع من أنواع السفسطة، حيث تجاوزته الفلسفة الحديثة، وأصبحت الوجودية من الماضي ودخلت إلى متاحف التاريخ، وربما يقول البعض الآخر إن الوجودية مجرد تقليعة تميزت بها فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ، وإن سارتر نفسه اعترف بارتكابه العديد من الأخطاء، ولكن هل أخطأ سارتر حين رفض جائزة نوبل للآداب، وحين سخر من اليسار الفرنسي، وحين دافع عن تظاهرات الطلبة عام 1968.. ربما نسمع اليوم من يقول إن سارتر ليست له الأهمية مثل فوكو ودريدا ودولوز، وسنجد الجواب عند المفكر الفرنسي بيير بورديو الذي وضع ظاهرة سارتر في سياقها الصحيح، ففي مقال نُشر حول سارتر ومجلته “الأزمنة الحديثة” يتساءل بورديو: كيف أمكن ظهور المثقف جان بول سارتر؟ ما الذي يسمح ببروز هذا المثقف الشامل الذي كان له حضور على جميع الجهات، فهو مفكر فيلسوف وناقد وكاتب رواية ومسرح. ثم يضيف بورديو أن سارتر تمكن من أن يصبح بؤرة يتجمع عندها مختلف العناصر التي تشكل الشخصية الاجتماعية للمثقف والتي كانت معالمها مشتتة قبل ظهور سارتر. ولعل رفض سارتر لجائزة نوبل وقبلها غونكور يثبت أن قيمة الكلمة لا يمكن أن تُحسب بأموال الجوائز، وأن قيمة الكاتب والمثقف الحقيقية هي التي يمكن إعطاؤها إياه وهو في “وحل” التجربة الحياتية كما يصر سارتر، وحين يساعدنا بالكلمات.. عندما رفض سارتر وسام “جوقة الشرف” كتب ينبه فرنسا بأنها ترى الحياة بلون زاهر، لكنها في الوقت تقبل أن تجد بشراً يضطهدهم البشر.
عاش سارتر ومات وهو يتعرض للهجوم، تتهمه الكنيسة بأنه ملحد، ويتهمه اليسار بأنه يميني، واليمينيون بأنه يساري.. ولهذا نجده يكتب في سيرته الذاتية “الكلمات”: “إننا جميعاً متشابهون في مهنتنا، كلنا محكومون بالأشغال الشاقة، كلنا موشومون”، ولهذا نجده يصر على أننا جميعاً متشابهون في مهنتنا كبشر، وأننا لسنا وحيدين في كون كل منا وحيداً، وأن علينا أن نكون من أجل جميع الآخرين.
ظل سارتر طوال حياته يؤمن بأن الفلسفة تحول لطريقة المرء في الوجود والحياة، ومسعى إلى الحكمة.. في غرفته سيضع عبارة سبينوزا على واجهة مكتبته الضخمة: “صعبة هي ممارسة الفلسفة ولكن الأشياء الممتازة هي دائماً صعبة بقدر ما هي نادرة”.
في كتابه “ما الأدب” يكتب سارتر: “فليكن المؤلف كاتب رسائل أو مقالات أو هجاء أو قصصياً، وليقتصر حديثه على عواطف فردية أو ليهاجم نظام المجتمع، فهو في كل أحواله الرجل الحر، يتوجه إلى الأحرار من الناس، وليس له سوى موضوع واحد، هو الحرية”.
بعد 62 عاماً على رفض الجائزة نتساءل: هل أخطأت الأكاديمية السويدية وهي تمنح جائزتها لفيلسوف مشاغب، أم أن سارتر كان متعجرفاً في رفضه للجائزة؟، بالتأكيد لم تكن الأكاديمية السويدية مخطئة في منح جائزة نوبل للآداب عام 1964 للكاتب الفيلسوف الذي كان يشغل العالم، لكن الأهم من هذا كله أن سارتر لم يكن على خطأ عندما ربط الجائزة بموقف الكاتب من السلطات الحاكمة ومؤسساتها.
يلخص لنا الكاتب المسرحي جان جينيه موقف سارتر من الجائزة قائلاً إن الجائزة كانت بالنسبة لسارتر “قبلة الموت” مستشهداً بمقولة شهيرة لسارتر: “لا أحد يستحق المجد وهو حي”.









